رغم قرارات المنع الصارمة، والدوريات الوزارية، والاجتماعات الإقليمية الحاسمة التي عقدت طيلة السنوات الثلاث الماضية، عادت زراعة البطيخ الأحمر لتغزو الحقول في الجنوب الشرقي للمغرب، في مشهد يعكس فشلا ذريعا للسلطات في فرض سيادتها على ما أصبح يعرف بـ”لوبيات الدلاح”.
هذا العام، وفي سابقة لم تحدث حتى في مواسم السماح والترخيص، غزت شحنات “الدلاح” الأسواق الوطنية مبكرًا، بأحجام وفيرة وأثمنة منخفضة، في تحدٍ مباشر للقرارات العاملية التي صدرت عن سلطات أقاليم مثل طاطا وزاكورة، والتي من المفترض أن تكون قد وضعت حدًا لزراعة استنزفت ما تبقى من الفرشات المائية العميقة، ودخلت في تنافس مقلق مع حاجيات السكان من الماء الصالح للشرب.
وضعٌ دفع مصادر حقوقية وبيئية، الى التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء ذلك، وهل يتعلق الامر بتراخٍ إداري، أم أن المصالح الاقتصادية لبعض النافذين طغت على المصلحة العامة والبيئية.
قرارات على الورق… و”الدلاح” في السوق
منذ سنة 2021، أصدرت عمالة طاطا قرارًا يقضي بمنع زراعة البطيخ الأحمر، ضمن لائحة الزراعات الموسمية المستنزفة للماء. القرار العاملـي رقم 38 اعتبر الإقليم منطقة منكوبة بسبب الجفاف، وشدد على وقف جميع أشكال الاستغلال العشوائي للمياه الجوفية، خصوصًا في المناطق ذات العجز الحاد في الفرشات المائية.
لاحقًا، وبفعل تصاعد الضغوط المجتمعية، صدر قرار عامل إقليم زاكورة أواخر 2024 يحدد زراعة “الدلاح” في هكتار واحد فقط لكل فلاح. ومع ذلك، وكما أكد نشطاء بيئيون، فإن المساحات المزروعة لم تتقلص بل توسعت، والمنتوج هذا العام وافر على نحو لافت، ما يطرح علامات استفهام حول قدرة الدولة على ضبط زراعات تهدد مستقبل الماء في البلاد.
جمعية للبيئة بزاكورة وصفت القرار بأنه “لا يتجاوز مستوى الحبر على الورق”، وأكدت في مراسلة إلى وزير الداخلية أن التحايل على القانون بلغ مستويات غير مسبوقة، في ظل غياب الرقابة الميدانية، وتواطؤ بعض الأطراف المستفيدة من استمرار هذا النمط الزراعي الربحي.
الضبط في طاطا… والاستثناءات لا تُحصى
في طاطا، التي كانت أول من حظر زراعة “الدلاح”، سجلت السلطات مخالفة في حق ضيعة زراعية سرّبت زراعة غير مرخصة للفاكهة المحظورة في قلب منطقة أقا. ورغم أن القرار العاملـي رقم 224 كان واضحًا في تجريم هذه الزراعة خارج الواحات، فإن الأخبار المتواترة من الإقليم تؤكد أن عشرات الضيعات تواصل نشاطها في الخفاء، إما باستعمال رخص قديمة، أو باللجوء إلى الآبار غير المرخصة.
قبل عامين، تم الإعلان عن طمر 62 بئرا من أصل 153 كانت تُستغل لزراعة الدلاح، لكن مصادر محلية كشفت أن عددًا من هذه الأثقاب عادت للحياة بطرق ملتوية، وأن بعض الفلاحين يستخدمون عدادات مياه مزيفة لتضليل المراقبة، في ظل ضعف الموارد البشرية المكلفة بالتتبع.
اقتصاد “الدلاح”… من المستفيد؟
من الناحية الاقتصادية، لا يمكن إنكار أن البطيخ الأحمر يوفر مداخيل مهمة للفلاحين، ويخلق فرص عمل موسمية لآلاف العمال والعاملات، خصوصًا في ضيعات “لمغادر” و”الفايجة” في زاكورة. لكن المشهد تغير، بحسب الفاعلين المحليين، حيث لم يعد صغار الفلاحين هم المستفيدون، بل تحوّلت الزراعة إلى مجال تحتكره شركات فلاحية وسماسرة كبار، يُشغّلون اليد العاملة بأجور زهيدة، ويجنون الأرباح على حساب البيئة والمجتمع.
“كُنا نزرع البطيخ لتغطية تكاليف المعيشة، اليوم لم نعد نجد الماء حتى لري أشجار النخيل”، يقول الحاج إبراهيم، فلاح خمسيني من منطقة تزونين بطاطا، مضيفًا أن “المال أصبح يتدفق إلى الوسطاء والتجار الكبار، أما نحن فنبقى عطشى، ونشتري الماء للشرب بـ10 دراهم للبرميل الواحد”.
سؤال الدولة.. غياب إرادة أم ضعف في الردع؟
إذا كانت السلطات قد أصدرت ما يكفي من القرارات لحماية الموارد المائية، فما الذي يمنع تنفيذها على أرض الواقع؟ ولماذا تغيب العقوبات الرادعة؟ بعض المصادر تملح إلى وجود “مافيا فلاحية” تتمتع بحماية ضمنية، مستفيدة من ضعف التنسيق بين الإدارات، وتراخي أجهزة المراقبة في تنفيذ خلاصات اللجان الإقليمية للماء.
الأدهى أن وزارة الفلاحة تواصل دعم مشاريع السقي الموضعي في هذه المناطق، دون أن تربط الدعم بنوع المزروعات، مما يُغري بعض الفلاحين بمواصلة استغلال البطيخ الأحمر، حتى داخل المناطق المصنفة “حمراء مائيًا”.
في هذا السياق تؤكد المصادر، أن الدولة بإمكانها توجيه الفلاحين نحو زراعات أقل استهلاكًا للماء، مثل الشعير، الحمص، واللوز، لكنها تحتاج إلى رؤية مندمجة وشجاعة سياسية لفرض التغيير. أما ترك الأمور على ما هي عليه، فهو بمثابة صب الزيت على نار الأزمة المائية القادمة.
ويرى أيوب مرير الباحث في السياسات الزراعية، أن “الاستمرار في غض الطرف عن زراعة البطيخ الأحمر اليوم، هو بمثابة تعجيل بانهيار التوازن البيئي في الجنوب الشرقي، خصوصًا وأن تأثير التغيرات المناخية سيزيد من ندرة المياه في العقد القادم”.
الدلاح أكبر من مجرد فاكهة
المصادر ذاتها، تؤكد أن ما يجري اليوم ليس مجرد جدل فلاحي، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية مواردها الطبيعية من الاستنزاف، ولإعادة ترتيب أولويات التنمية، بعيدا عن منطق الربح السريع والمصالح الظرفية.
وتؤكد المصادر أن استمرار زراعة البطيخ الأحمر، رغم كل التحذيرات، هو دليل على خلل بنيوي في منظومة الحكامة البيئية، ودعوة مفتوحة لفتح تحقيق وطني واسع حول من يتحكم فعلا في قرارات المنع، ومن يعطل تفعيلها على الأرض.







