في الوقت الذي انشغلت فيه بعض الأوساط السياسية والإعلامية، وكذا نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، بتأويلات وقراءات سريعة لتصريح كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، متهمين إياها ضمنيًا بـ”الوقوع في المحاباة الحزبية وتضارب المصالح”، غاب عن كثير من المتابعين أن ما قالته المسؤولة الحكومية في تصريح عفوي يعكس محدودية تجربتها السياسية، لم يكن سوى قمة جبل الجليد الذي يخفي تحته أسئلة استراتيجية عميقة ومسكوتًا عنها، حول واحد من أكثر المخططات تكلفةً وغموضًا في السياسات العمومية المغربية.. مخطط “أليوتيس”.
هذا المخطط، الذي أُطلق سنة 2009 تحت شعار “تأهيل قطاع الصيد البحري والرفع من تنافسيته”، ظل منذ نشأته محاطًا بهالة من التبجيل الرسمي والإشادة التسويقية، لكنه لم يخضع يومًا لنقاش وطني صريح، ولم تُفتح بشأنه أوراش تقييم مستقلة، ولا حوارات عمومية مفتوحة. بل إن عددًا من المتخصصين باتوا يرون فيه نموذجًا صارخًا للسياسات العمومية التي تُطبخ في الدوائر المغلقة، بعيدًا عن أعين المجتمع ومؤسساته الرقابية، وتُنفذ دون مشاركة تذكر من الفاعلين الحقيقيين في الميدان.
غموض في النشأة… وغنيمة في التنفيذ؟
على خلاف “مخطط المغرب الأخضر”، الذي تعرض وما يزال لوابل من الانتقادات البرلمانية والتقارير الصحفية، ظل “أليوتيس” محصنًا من المساءلة، كأنه ملف فوق الدستور، أو “منطقة رمادية” داخل المؤسسات. فما الذي تحقق فعليًا؟ ومن استفاد؟ ومن موّل؟ وما هي التكاليف المالية والبشرية والاجتماعية التي تكبدها المغاربة؟
الإجابة، وإن تأخرت، جاءت جزئيًا سنة 2019 من داخل مؤسسة دستورية رفيعة، حين أصدر المجلس الأعلى للحسابات، على عهد رئيسه إدريس جطو، تقريرًا صادمًا بلغة محاسباتية لا تتسامح مع العبارات الإنشائية. فقد كشف القضاة أن أهداف المخطط فشلت في الرفع من حصة المغرب في السوق العالمية للمنتجات البحرية، بل تراجعت من 3.3% إلى أقل من 2%، رغم الاستثمارات الضخمة. كما أشار التقرير إلى ضعف شديد في تنفيذ المشاريع المسطرة، حيث لم يُنجز سوى 25 مشروعًا من أصل 70، مع غياب هيئات القيادة والتتبع، و”ضبابية مطلقة” فيما يخص توزيع الميزانيات، وتحديد المسؤوليات، والتقييم المرحلي.
الأخطر من ذلك، حسب التقرير نفسه، أن مكتب دراسات واحد فقط أشرف على جميع مراحل التخطيط والتنفيذ والتقييم، وهو ما يطرح شبهة تضارب المصالح، في غياب آليات التنافس والشفافية المفترضة في أي مشروع تنموي استراتيجي.
أخنوش يرفض المساءلة.. “تشويش” بدل المراجعة
الغريب أن التقرير، رغم خطورته، مرّ دون أن يُحدث زلزالًا سياسيًا. بل إن وزير الفلاحة والصيد البحري آنذاك، عزيز أخنوش، تعامل معه ببرود واضح، واعتبره “تشويشًا”، رافضًا مجرد مناقشة احتمال إعادة النظر في المخطط أو إخضاعه لتقييم مستقل. وقد فسّر مراقبون هذا الموقف بـ”التهرب السياسي من المسؤولية”، خاصة أن أخنوش كان الرجل الأقوى داخل الحكومة، ونجح في تحويل المخطط إلى ورقة حزبية داخل سردية “النجاحات التنموية”، دون أن يكون مطالبًا بتقديم كشوف الحساب.
فلسفة نيوليبرالية.. ومغاربة محرومون من ثروتهم
لكن الخلل لا يقتصر على ضعف الإنجاز، بل يمتد إلى فلسفة المخطط نفسها، كما يؤكد الباحث الأكاديمي محمد الناجي، المتخصص في السياسات البحرية. ففي ندوة علمية نظمت أخيرا بالرباط، قال الناجي إن “أليوتيس” تأسس على مرجعية نيوليبرالية متوحشة، تضع التصدير في قلب الاهتمام، وتُقصي حاجيات السوق الوطنية، ما أدى إلى حرمان ملايين المغاربة من المنتوجات البحرية ذات الجودة العالية، لصالح المستوردين في أوروبا وآسيا، بينما وُجهت السوق الداخلية نحو أنواع رخيصة لا تلبي متطلبات الأمن الغذائي.
وأضاف الناجي أن المخطط جرى تصميمه وتنفيذه بمعزل عن الفاعلين المحليين، سواء المهنيين الصغار أو المجتمع المدني، في غياب تام لمقاربة تشاركية، مما أدى إلى فقدان الثقة في المؤسسات المشرفة على القطاع، وتكريس الإحساس بالتهميش والغبن في صفوف الصيادين التقليديين.
لوبيات البحر.. من يتحكم فعلاً؟
تصريح كاتبة الدولة زكية الدريوش، الذي كشفت فيه عن استفادة زميل في حزبها من دعم مالي عمومي بقيمة مليار و100 مليون سنتيم، لم يكن زلة لسان كما فُهم، بل كان صفارة إنذار. فبحسب مصادر مهنية، فإن هذه التصريحات “أزعجت بشدة لوبيات الصيد الكبرى”، وهي “مجموعات تحتكر مفاتيح القرار، وتتمتع بامتيازات غير معلنة في نظام الحصص والرخص والتراخيص الموسمية، في غياب رقابة مؤسساتية حقيقية”، وفق تعبير أحد المهنيين ممن تحدثوا إلى “نيشان” شريطة عدم كشف هويته.
وتضيف المصادر نفسها أن الحديث عن “أليوتيس” لا يجب أن يُختزل في تصريحات عابرة أو ردود حزبية هجومية، بل يجب أن يتحول إلى مدخل لإعادة التفكير في النموذج التنموي البحري برمته، وبحث سبل الإنقاذ قبل الانهيار، خاصة مع الاستنزاف غير المسبوق للثروة السمكية، والصيد غير القانوني الذي يُمارس تحت أنظار السلطات، أحيانًا بتواطؤ مع منتيمن اليها.
بين البروباغندا والمحاسبة.. من يملك الحقيقة؟
منذ إطلاق “أليوتيس”، تحول المخطط إلى عنوان بروباغندا نجاح رسمي، تستعرضه الحكومة في المعارض الدولية والمناسبات الحكومية، دون أن تعترف بفجوة الحقائق على الأرض. فالفوارق الجهوية في توزيع المشاريع، وضعف مردودية الاستثمارات في مناطق مثل الصويرة وآسفي والعرائش، تكشف أن النموذج لا يخدم بالضرورة التنمية المتوازنة، بل يُعيد إنتاج المركزية والتحكم من فوق.
أمام هذا الواقع، يطرح كثيرون السؤال الأكثر إحراجًا.. هل استُثمرت فعليًا أموال المغاربة في تنمية ثرواتهم البحرية؟ أم أن “السمك الكبير لا يزال يأكل الصغير”؟
نحو عدالة بحرية.. الحاجة إلى مراجعة وطنية شاملة
ما تحتاجه البلاد اليوم ليس فقط جردًا تقنيًا لما تحقق أو فشل في “أليوتيس”، بل نقاشًا وطنيًا صريحًا، وجرأة سياسية على طرح الأسئلة الصعبة.. من يخطط؟ من ينفذ؟ من يراقب؟ ومن يستفيد؟ فالصيد البحري، بقدر ما هو مورد اقتصادي، هو أيضًا مرآة للعدالة الاجتماعية، والسيادة الغذائية، واستدامة الموارد للأجيال القادمة.
في السياق ذاته، يفرض السؤال نفسه مجددًا، لماذا ظلت هذه الوزارة محصنة خلف جدار من السرية والغموض منذ أن تولى عزيز أخنوش حقيبتها عام 2007؟ إذ لم تعرف هذه القطاعات أي نقاشات حقيقية أو مساءلة فعلية، رغم كونها أساسًا لثروات وطنية استراتيجية. ثم، بعد أن أصبح أخنوش رئيسًا للحكومة، استمر في توظيف مقربين منه في المناصب الوزارية، مما أبقى الملفات الكبرى بعيدة عن أي نوع من الشفافية أو المراجعة الحقيقية.
هذه السياسات، التي تبدو وكأنها تتحاشى المساءلة المباشرة، تجعل التساؤل مشروعًا، إلى متى ستظل القطاعات الحيوية محصنة بعيدًا عن التدقيق العمومي؟ وما هي التكلفة الحقيقية لغياب الشفافية؟ بل، الأهم من ذلك، هل الفلاحة والصيد البحري مجرد مجالات أخرى لتحصين المصالح والريع؟ إن هذا الوضع يترك الباب مواربًا أمام إشكالية كبيرة حول حقيقة ما يجري داخل هذه القطاعات الوزارية، في الوقت الذي يستحق فيه المواطن المغربي إجابة صريحة وواضحة.
وإلى أن يحصل ذلك، ستظل تصريحات كاتبة الدولة “زكية الدريوش” مجرد “أصوات في الصحراء”، تحاول لفت الانتباه إلى نظام ريعي لا يريد أحد أن يفتش في أعماقه.







