بالتزامن مع صدور تقرير التنمية البشرية لسنة 2025 عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، كشفت مصادر مطلعة لموقع «نيشان» أن تعليمات غير معلنة صدرت منذ مساء الثلاثاء لعدد من الصفحات والمنصات المقربة من حزب التجمع الوطني للأحرار، تقضي بضرورة تسويق التقرير على أنه دليل قاطع على “التحول التنموي الكبير” الذي عرفه المغرب في عهد الحكومة الحالية، مع التركيز على انتقال المملكة إلى فئة الدول ذات “التنمية البشرية المرتفعة”.
غير أن العودة إلى التقارير السابقة للبرنامج الأممي تُبيّن أن المغرب كان قد دخل هذه الفئة منذ تقرير سنة 2023، وأن التصنيف لم يطرأ عليه أي تغيير في النسخة الجديدة، مما يُضعف أطروحة حصول تحسن حقيقي في المؤشرات التنموية.
وبحسب التقرير الصادر يوم الثلاثاء 6 ماي، حلّ المغرب في المرتبة 120 عالمياً من أصل 193 دولة، مسجلاً قيمة 0.710 على مؤشر التنمية البشرية، وهو نفس التصنيف الذي ناله في تقرير العام الماضي، ما يعني أن المملكة حافظت على موقعها ضمن فئة الدول ذات “التنمية البشرية المرتفعة”، دون أن تُحقق أي قفزة نوعية في الترتيب أو في المؤشرات الفرعية المتعلقة بالتعليم والصحة والدخل.
ورغم هذا الثبات، سارعت بعض المواقع المحسوبة على حزب التجمع الوطني للأحرار إلى تقديم التصنيف على أنه دليل “نجاح حكومي واضح” في مجالات التنمية، في ما وصفته المصادر نفسها بـ”محاولة مدروسة لصرف الانتباه عن الانتقادات المتصاعدة لأداء حكومة أخنوش، خصوصاً في ظل تدهور القدرة الشرائية واستمرار اختلالات المنظومتين الصحية والتعليمية”.
وفي اتصال أجراه موقع «نيشان» مع الخبير الاقتصادي محمد الرهطوط، اعتبر أن ما يُروج له من قبل بعض وسائل الإعلام «لا يستند إلى أساس علمي أو اقتصادي جدي»، مضيفاً أن «قيمة 0.710 على مؤشر التنمية البشرية تُعادل بالكاد الحد الأدنى لفئة التنمية المرتفعة، وبالتالي فإن الحديث عن إنجاز يُعد محاولة لصرف الأنظار عن الإخفاقات الهيكلية في قطاعات التعليم والصحة وفرص الشغل». وأكد الرهطوط أن الفجوة تزداد اتساعاً بين المغرب والدول المتقدمة في المؤشر، مشدداً على أن «التحسن الطفيف في قيمة المؤشر لا يعكس بالضرورة تحسناً حقيقياً في جودة الحياة، بل قد يكون نتيجة لتحسينات إجرائية في طرق جمع البيانات أو لتغير طفيف في المعايير التقنية المعتمدة».
وعكس ما تم الترويج له من قبل أوساط حكومية، حذر التقرير الأممي من “تباطؤ غير مسبوق” في التقدم التنموي العالمي، مشيراً إلى اتساع الهوة بين دول الشمال الغني ودول الجنوب، ومنها المغرب، الذي لم يتمكن بعدُ من تجاوز تداعيات الجائحة والأزمات الاقتصادية المتلاحقة. كما نبه التقرير إلى أن استمرار التفاوتات الإقليمية داخل الدول – ومنها المغرب – يُعد من أبرز العوائق أمام تحسين شامل ومستدام لمؤشر التنمية البشرية.
وتأتي هذه الحملة الإعلامية الموجهة في سياق تصاعد الانتقادات الموجهة لحكومة أخنوش بشأن تدبيرها لعدد من الملفات الاجتماعية الحساسة، على رأسها ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل من توظيف تقارير دولية لتلميع صورة الأداء الحكومي، محاولة مكشوفة لتحويل الأنظار عن النقائص البنيوية التي لا تزال تؤرق شرائح واسعة من المجتمع المغربي.







