قبل انصرام الموسم الرياضي الحالي، يحتدم صراع الصعود إلى القسم الأول من البطولة الاحترافية، حيث تدخل الفرق المنافسة غمار الجولات الأخيرة محملة بطموحات كبيرة ودعم غير مسبوق، ليس فقط من طرف جمهورها، بل من جهات سياسية واقتصادية مؤثرة، في مشهد يُعيد طرح السؤال حول الحدود الفاصلة بين الرياضة والسياسة بالمغرب.
معركة مفتوحة بين أربعة فرق
تشير المعطيات الحالية إلى كلا من فرق الكوكب المراكشي (50 نقطة)، اتحاد يعقوب المنصور (47 نقطة)، رجاء بني ملال (46 نقطة)، وأولمبيك الدشيرة (43 نقطة) تتصدر سباق الصعود، في ظل نظام السد الجديد قد أعاد رسم خريطة الالتحاق بالقسم الأول، حيث كشف رئيس العصبة الاحترافية لكرة القدم الوطنية، عبد السلام بلقشور، عن إجراء مباريات السد بين نادييْ البطولة الاحترافية – القسم الأول ونظيريهما في القسم الثاني، يوم السبت 24 شهر ماي الجاري، على أرضية ملعبيْ نادييْ القسم الثاني، بينما ستجرى مواجهتا الإياب في ملعبيْ نادييْ القسم الأول، وذلك في الـ31 من شهر ماي الحالي.
لكن بعيدًا عن استعدادات الفرق الأربعة رياضيا لمعركة الحسم، يبدو أن الدعم المادي والمعنوي الذي تحظى به يضعها في مستويات مختلفة من حيث الجاهزية، ويعكس حجم التداخل بين الرياضي والسياسي في المغرب، حيث أضحى الصعود إلى قسم الكبار ورقة إضافية في لعبة التموقع وتكريس “الهيبة السياسية”.
الكوكب المراكشي.. صعود مرتقب على متن “التراكتور”
يستفيد فريق الكوكب المراكشي، المنبعث مؤخرا من رماد أزماته المتعددة، من دعم سياسي ومؤسساتي، تقوده شخصيات بارزة في حزب الأصالة والمعاصرة، على رأسها فاطمة الزهراء المنصوري، عمدة المدينة، وسمير كودار، رئيس الجهة، كما ساهم عبد الرحمان الوفا، رئيس جماعة المشور القصبة، في لجنة دعم الفريق.
ورغم حرص الرئيس إدريس حنيفة على إبعاد السياسيين عن التسيير المباشر، إلا أن الدعم السياسي ظل واضحا، ووفّر للكوكب ظروفًا مالية واستراتيجية سمحت له بالمنافسة الجدية على العودة إلى قسم الأضواء، وبعد أن أخطأ المسار في آخر خطوات السباق الموسم الماضي، تبدو حظوظه هذه السنة أكثر وفرة للظفر ببطاقة صعود تجنبه صداع رأس مباريات السد.
اتحاد يعقوب المنصور.. نادٍ صغير برئاسة وزير
قبل سنين قليلة لم يكن أكثر المتفائلين من المتابعين للكرة الوطنية يتوقعون أن يكون اتحاد يعقوب المنصور ضمن فرق القسم الثاني، ما بالك أن يصبح من الفرق المتنافسة على الصعود إلى القسم الأول.
محفوفا بـ”عناية” رئيسه الشاب ذي “الطموح السياسي الجامح” الوزير المهدي بنسعيد، لا يبدو أن الفريق سيرضى بـ”صعود عاد” إلى قسم الكبار، وهو الصاعد الحديث إلى القسم الثاني.. والذي يبدو أنه لن يمكث فيه سوى لموسم واحد لينتقل إلى صفوف فرق الصفوة، حيث يمكن أن نرى الفريق “الصغير” المدفوع بقوة ومركز رئيسه الوزير متنافسا على تحقيق لقب البطولة أو إحدى المراكز المتقدمة المؤهلة إلى المنافسات القارية.
ورغم أن اتحاد يعقوب المنصور يستفيد من دعم مجلس عمالة الرباط وبعض الرعاة، إلا أن قيادته من طرف وزير الشباب والثقافة والتواصل تجعل باب “التمويلات” مفتوحا على مصراعيه أمام فريق قد يقرأ صعوده إلى قسم الكبار على أنه حلقة أخرى في حلقات نجاح سياسي لواحد من الوجوه الشابة في الحكومة، أكثر منه إنجازًا رياضيًا صرفًا.
أولمبيك الدشيرة.. أخنوش في الذمة”
يحظى فريق أولمبيك الدشيرة بدعم اقتصادي واضح من رئيس الحكومة عزيز أخنوش، المعروف بدعمه التاريخي لحسنية أكادير، والذي بات اليوم يوسّع دائرة اهتمامه الرياضي نحو الفريق السوسي الآخر، وهو الأمر الذي جلب عليه امتعاض بعض جماهير الحسنية.
يأتي هذا الدعم ضمن رؤية أشمل لتعزيز الحضور السياسي والرمزي في جهة سوس ماسة، ما يجعل من أولمبيك الدشيرة مشروعًا رياضيًا يتقاطع مع الطموحات السياسية الجارفة لأخنوش.
وقد تجلى هذا الدعم من خلال استقباله للرئيس المنتدب لأولمبيك الدشيرة، إسماعيل الزيتوني، حيث تم تقديم حصيلة النادي المالية والتقنية، مع تأكيد أخنوش على استمراره في دعم الفريق لتحقيق طموحاته. كما أعلن أخنوش عن تكفله بتأهيل ملعب أحمد فانا بالدشيرة الجهادية من ماله الخاص.
وحسب المراقبين، فإن هذا الدعم الواضح من رئيس الحكومة قد يجعل من أولمبيك الدشيرة رقما صعبا ليس في معادلة الصعود إلى قسم الكبار، بل وفي كرة القدم المغربية عموما، ما يبشر بتناطح مرتقب بين “الكبار” في المواسم القادمة، بعد أن استطاب سياسيون بارزون ركوب صهوة “فرق رياضية” لتثبيت أنفسهم أرقاما صعبة في معادلة التدبير السياسي.
رجاء بني ملال.. دعم محدود وسط آمال كبيرة
رغم محدودية الدعم السياسي، يستفيد رجاء بني ملال من دعم واضح من والي جهة بني ملال خنيفرة الجديد، محمد بنرباك إضافة إلى رئاسة الجهة وبعض الفاعلين الاقتصاديين المحليين.
الفريق الذي أنهكته الصراعات الداخلية طيلة هذا الموسم قبل تدخل السلطات المحلية لاستتباب السلام الداخلي، والتركيز على حلم الصعود، يُراهن على مقاربة متوازنة بين الاستحقاق الرياضي والدعم المؤسساتي، لكن في غياب “مظلة سياسية وازنة”، قد يجد نفسه في موقع الأضعف ماليًا وإعلاميًا، رغم حضوره الرياضي القوي.
تداخل مقلق.. السياسة “تصنع” الرياضة
رغم أهمية الدعم المؤسساتي في التدبير الرياضي، خصوصا كرة القدم، إلا أن حجم الحضور السياسي في مسار الفرق المتصارعة على الصعود يطرح تساؤلات مشروعة حول “حياد المنافسة” وتكافؤ الفرص بين أندية كرة القدم. كما يفتح الباب أمام سيناريوهات مزعجة، حيث يصبح الصعود إلى القسم الأول ثمرة علاقات وتحالفات، أكثر منه نتيجة للميدان والعمل القاعدي.
وهو ما يزكي، في النهاية، شعورا بأن البطولات لا تُحسم بالأهداف والنقاط وحدها، بل أيضاً بالتحالفات والدعم السياسي، ما يجعل صراع الصعود في هذا الموسم مرآة عاكسة لتعقيدات الرياضة في المغرب…







