تعميم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم العمومي بالمغرب كان يعد أحد المشاريع الأساسية لورش المغرب الرقمي.
ورش حدد سقف أهداف جد مرتفع مقارنة بالنتائج الكارثية التي انتهى إليها، والتي لم يتم محاسبة المسؤولين عنها، أو التدقيق في الصفقات المرتبطة بها، رغم التقرير الأسود الذي أصدرته أعلى هيئة رقابية ممثلة في المجلس الأعلى للحسابات.
اللافت وفق ذات التقرير أن الوزارة التي تستعد لشراء آلاف الحواسيب للمشاركة في تقويم دولي عن بعد، أوقفت في سنة 2009، وبشكل مفاجئ جميع المشاريع المتعلقة بتجهيز المدارس الابتدائية بالقاعات المتعددة الوسائط بدعوى أن التلاميذ “لم يعتادوا التنقل من قاعة لأخرى ما نجم عنه نسب استخدام متدنية للمعدات”، لكن هذا القرار الغريب جاء بعد أن تم صرف ما يناهز 20 مليار سنتيم لتجهيز 1053 مدرسة ابتدائية ضمن صفقات مديرية “جيني”، وهو السيناريو الذي سيعيد برادة تكراره من خلال مشروع المدرسة الرائدة.
هذا الرقم الضخم جعل الوزارة تنفخ في التبريرات الهشة المقدمة للتنصل من المسؤولية ودفن جميع التفاصيل المالية، بعد أن عادت واعتبرت أن قرار وقف تجهيز المدارس الابتدائية لا يعود لعزوف التلاميذ عن استعمال الحواسيب فقط، وإنما راجع أيضا لهيئة التدريس بهذا السلك، والتي لا تمتلك حسب الرد المقدم للمجلس الأعلى للحسابات المهارات اللازمة لدمج تكنولوجيا المعلومات والاتصال، ما يعني أن 20 مليار سنتيم من المال العام بددت دون جدوى.
الأفدح هو أن عددا من مسؤولي الوزارة وعوض التركيز تطوير مهارات الأساتذة قاموا بتفريخ صفقات جديدة من خلال اقتناء مختبر الحواسيب، وبعدها العربات المتعددة الوسائط، والسبورات التفاعلية التي انتهت صفقاتها بفضائح مدوية، لازالت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية تنبش في ملفاتها.
هذا إضافة إلى الأجهزة المتنقلة الرقمية، والحواسيب المرافقة الفائقة الحمولة، لتعمد وفي تكريس للعبث إلى تجهيز المدارس الابتدائية بحقائب متعددة الوسائط بدعوى أنها قامت بتقييم كشف أن معدل استخدامها تجاوز 80 في المائة فيما لم تتجاوز نسبة استخدام القاعات متعددة الوسائط 16 في المائة.
التقرير الصادر عن المجلس الأعلى للحسابات نبه أيضا للفشل الذريع في وضع البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصال، وعدم فعالية المقاربة المتبعة، والتي انتهت بانقطاع تعلم التلاميذ من خلال استخدام تكنولوجيا المعلومات والتواصل.
ومن بين المعطيات الصادمة التي تبينت كون الوزارة أنفقت 6 ملايير لاقتناء الموارد الرقمية في إطار رخصة استغلال، دون أن يكون لها حق الحصول على شفرات تتيح لها تعديلها وتحسينها، كما لم يتم ربط التجهيزات التي تم اقتناؤها في إطار شبكة معلوماتية موحدة تربط مؤسسات التعليم العمومي ببعضها.
أهداف وأموال تبخرت دون محاسبة
فشل جميع المشاريع الهادفة لإدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم لا يطرح فقط أسئلة عن مصير المعدات التي تم اقتناؤها من خلال عشرات الصفقات وطلبات العروض التي لازالت بعض تفاصيلها وبصماتها مدرجة في الموقع الرسمي للوزارة، بل يطرح أيضا أسئلة عن سر تعامي الوزراء المتعاقبين عن الاختلالات التي حصلت، والتي انتهت بتبخر الأهداف التي كلفت خزينة الدولة عشرات المليارات، ومن ضمنها المساهمة في تحسين جودة التعلمات، وذلك من خلال تعميم الأداة المعلوماتية بمختلف استعمالاتها داخل المدرسة المغربية، وتجهيز كافة المؤسسات التعليمية بالعتاد المعلوماتي، وربطها بشبكة الانترنت، وتكوين وإنماء القدرات المهنية في مجال استعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في المجال التربوي لفائدة الفاعلين التربويين (هيأة التدريس، هيأة التأطير التربوي، هيأة الإدارة التربوية).
اللافت أن الوزارة لم تكتف بالمليارات التي صرفت على اقتناء المعدات، بل استهلكت أيضا ميزانيات ضخمة في التكوينات التي تم تمرير الأموال المخصصة لها بدعوى تمكين الأساتذة من الاستئناس بالمبادئ الأولية لتكنولوجيا المعلومات، والاتصالات، في التعليم، وتعلم أنظمة التشغيل، والبرامج المكتبية، وتصميم الموارد الرقمية، قبل أن يعيد فيروس كورونا للواجهة الاختلالات الخطيرة التي رافقت هذه المشاريع، ويكشف سر تخبط الوزارة في اعتماد التعليم عن بعد بصيغة باهتة وارتجالية التي أثارت انتقادات شديدة من طرف فعاليات تربوية التي دعت لفتح تحقيق نزيه في ميزانيات التعليم الرقمي وطرق باب المسؤولين عن مشاريع “جيني”، غير أن الوزارة تعامت عن هذه الفضائح وتتجه لصناعة فضائح جديدة من خلال المدرسة الرائدة.







