تفاقم الخلاف بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والملياردير إيلون ماسك بشكل غير مسبوق، إذ تحوّل الخلاف بينهما من اختلاف سياسي حول مشروع قانون الإنفاق الجمهوري إلى صراع شخصي علني اشتد حتى وصل إلى حد التهديد بقطع العقود الحكومية، وتبادل التلميحات الصادمة حول علاقات مشبوهة، وانتهى الأمر بدعوة صادمة لترحيل ماسك من الولايات المتحدة أطلقها أحد أبرز حلفاء ترامب.
بدأ الأمر بتحول مفاجئ في العلاقة التي كانت ودية نسبيًا بين الرجلين، حيث شن ماسك هجومًا لاذعًا على مشروع قانون الإنفاق الجمهوري المدعوم من ترامب، واصفًا إياه بأنه “عمل مقزز” و”عبث مالي يرفع العجز الوطني”، داعيًا الجمهوريين إلى “قتل المشروع”. هذه الانتقادات القاسية لم تلقَ قبولًا من ترامب الذي أعرب عن “خيبة أمله” من تصرفات ماسك، وقال في تعليق من المكتب البيضاوي: “كانت علاقتي مع إيلون رائعة، لكن البعض يعاني من متلازمة اضطراب ترامب”.
من جهته، لم يتردد ماسك في الرد، عبر منصة “إكس”، موجهًا انتقادًا لاذعًا للرئيس السابق، وقال: “لولاي، لكان ترامب خسر الانتخابات وللسيطرة الديمقراطية على الكونغرس. يا له من جحود”، وأعلن نيته تأسيس حزب سياسي ثالث “يمثل 80% من الطبقة المتوسطة”. ثم تابع هجومه بتغريدة مثيرة قال فيها: “هذا هو السبب الحقيقي وراء عدم الكشف عن ملفات إبستين… يوم سعيد، DJT!”.
لكن ترامب لم يترك هذه الاتهامات تمر مرور الكرام، بل اتهم ماسك بالتصرف بناءً على دوافع شخصية بسبب إلغاء الدعم الحكومي لسيارات تسلا، وكتب على منصة Truth Social: “إيلون غضب لأنني سحبت منه تفويض السيارات الكهربائية. كان يعلم أنني سأفعل ذلك، فأصيب بالجنون!”. وهدد ترامب بإلغاء كافة العقود الحكومية التي تستفيد منها شركات ماسك، واصفًا ذلك بأنه “أسرع طريقة لتوفير المليارات”.
وتفاقمت الأزمة بدخول ستيف بانون، المستشار السابق لترامب، على الخط، حيث دعا إلى فتح تحقيق فوري في الوضع القانوني لماسك، وطالب بترحيله من الولايات المتحدة. وقال بانون في تصريحات لصحيفة نيويورك تايمز: “أعتقد اعتقادًا راسخًا أن ماسك مهاجر غير شرعي ويجب ترحيله من البلاد”. وأضاف في برنامجه “غرفة حرب بانون”: “ستعيدون الآخرين، فلنبدأ بالجنوب أفريقيين، أليس كذلك؟”. وأشار إلى مزاعم عن عمل ماسك بشكل غير قانوني قبل حصوله على الجنسية الأمريكية، بالإضافة إلى اتهامات بتعاطيه الكيتامين التي اعتبرها “تستوجب تحقيقًا فيدراليًا”. وأكد بانون أن ترامب قدم دعمًا غير مسبوق لماسك لكنه “انقلب عليه”، واصفًا ماسك بأنه “شخص سيئ وغير كفء”.
ويأتي هذا الخلاف في وقت يواجه فيه مشروع قانون الإنفاق الجمهوري أزمة داخلية كبيرة، إذ أعلن ثلاثة من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين معارضتهم له بسبب مخاوف من ارتفاع العجز الوطني. ويعتمد تمرير القانون على عدم فقدان أكثر من ثلاثة أصوات من الحزب الجمهوري، مما يضع زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون في موقف سياسي حساس للغاية. المؤيدون يعتبرون أن تخفيضات الضرائب وتخفيف القيود التنظيمية ستعزز النمو الاقتصادي وتعوض العجز، بينما يرى المعارضون أن المشروع سيؤدي إلى زيادة مديونية البلاد بمليارات الدولارات، وهو ما يرفضه بشدة الصقور الماليون في الحزب.
وعلى خلفية هذه الأوضاع المتوترة، أعاد ماسك نشر تغريدة قديمة لترامب من عام 2013 كان يعارض فيها رفع سقف الدين، معلقًا: “كلمات حكيمة”، بينما يطالب ترامب اليوم بإلغاء سقف الدين بالكامل.
ولم يقتصر الانقسام داخل الحزب الجمهوري على هذا الحد، حيث أعلن السيناتور ليندسي غراهام استعداده “لتفجير” مخصصات الميزانية العسكرية، فيما صرح رون جونسون بأن مشروع القانون لن يتم تمريره قبل الرابع من يوليو. وتحدثت الأوساط السياسية عن احتمال مراجعة برنامج “ميديكير” الخاص بكبار السن، وهو ما قد يفتح جبهة صراع جديدة مع الديمقراطيين الذين يعتبرونه “خطًا أحمر”. وفي هذا السياق، قال السيناتور الجمهوري كيفن كريمر: “البعض يخشى هذه المواضيع، أما أنا فلا. إنها لحظتنا لفرض المسؤولية المالية”.
وفي خضم كل هذه التطورات السياسية، تفاعل السوق بشكل فوري مع الأزمة المتصاعدة، حيث شهدت أسهم شركة “تسلا” تراجعًا حادًا بنسبة 14% في يوم واحد فقط، ما يعكس حالة الاضطراب والقلق بين المستثمرين.







