عندما يخبرك شخص عن تفاصيل حياته يصبح صديقك، بشكل ما. لذلك أحبّ كتب السيرة الذاتية، لأنها تجعلك تحسّ أن لديك أصدقاء مهمّين، يحكون لك حياتهم في تفاصيلها الأكثرية حميمية، كما تستعيد معهم فترات من التاريخ، لا يمكن العثور على أسرارها الصغيرة في كتب أخرى.
رغم أنني لم يسبق لي أن التقيت عبد المجيد بن جلون، الذي توفي عام 1981، وقابلت محمد شكري مرات معدودة، فإنني أحس أنهما صديقين قريبين، بسبب “الخبز الحافي” و”في الطفولة”. كلّما أعدت قراءة سيرتيهما أحسّ أن “صداقتنا” تتعمق. أوهام جميلة تمنحها القراءة. وإذا كان “الخبر الحافي” قد حصل على صيتٍ عالمي فإن “في الطفولة” يظل من أجمل ما كُتِب روائيا عن مغرب الثلاثينيات، رغم أنه أقل شهرة.
بن جلون كاتب استثنائي، ولد في الدار البيضاء، وانتقل مع والديه إلى إنجلترا في سن الخامسة. كان والده تاجر نسيج، قادته تجارته إلى الاستقرار في مانشستر. فقد أمه مبكرا، وعاش صدمة ثقافية حادة حين أن قررت أسرته العودة الى فاس، بعد أربع سنوات عند الإنجليز. تعلّم في القرويين، ثم سافر الى القاهرة حيث عاش نحو عقدين من الزمان، درس في جامعتها وكتب في صحافتها، وساهم في تأسيس “مكتب المغرب العربي” وشغل أمانته العامة، وكان من بين من ساهموا في تهريب الأمير عبد الكريم الخطابي من السفينة التي كانت تقله من جزيرة “لا ريينيون” إلى جنوب فرنسا وتوقفت في ميناء السويس بمصر…
كثير ممن درسوا الآداب في الثمانينيات والتسعينيات يتذكرون نصوص عبد المجيد بن جلون، التي كانت مقررة في المناهج التعليمية، ولعل بعضهم يحمل ذكريات سيئة عن هذه المؤلفات لانهم قرأوها مجبرين. حين تصبح المطالعة واجبا مدرسيا تفقد كثيرا من جاذبيتها. أما نحن الذين درسنا في الشعب العلمية، وربطتنا علاقة غير رسمية بالأدب، فنملك ذكريات أجمل مع “وادي الدماء” و”هذه مراكش” و”مارس استقلالك” و”في الطفولة”، طبعا، لأن قراءتنا كانت حرة، بعيدا عن الإكراهات الأكاديمية. إذا كانت القراءة بمثابة “الزوجة” عند طالب الآداب، فإنها “عشيقة” عند من يدرس العلوم…
عشقنا كتابات عبد المجيد بن جلون، لأنه مختلف عن بقية الأدباء المغاربة من مجايليه. هناك سلاسة وعفوية في أسلوبه الأدبي، وتفرد في مساره الحياتي. مغربي عاش صباه في إنجلترا إبان عشرينيات القرن الماضي، وقرر أن يضع طفولته في كتاب. ترأس تحرير “العلم”، اقدم جريدة مغربية، واشتغل في السلك الدبلوماسي، قبل أن يتفرغ للصحافة والكتابة. مع مبدعين معدودين على رؤوس الاصابع، جعلنا بن جلون نشعر بالفخر لأننا أيضا نملك أدباء يمكن أن نضعهم جنب طه حسين واحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ ويوسف السباعي وسهيل ادريس…
كتب بن جلون اوتوبيوغرافيا متحررة من قيود زمنها، عام 1949، يستعيد فيها سنواته الأولى بين مانشستر وفاس، بسلاسة قلما نصادفها. النصوص المكتوبة وقتها كانت عصية على الهضم، لغتها مقعرة او متخمة بالمجاز أو الفذلكات البلاغية أو غارقة في الوعظ الديني والأخلاقي. قوة “في الطفولة” أنها تجعلك تسافر في مغرب العشرينيات والثلاثينيات برؤية طفل أوربي من أصول مغربية، اقتلع من بيئته بطريقة مفاجئة، تركت في نفسه صدمة عميقة، بلغة بسيطة وأسلوب سلس.
تدور الأحداث بين فاس ومانشستر حيث كانت تعيش جالية مغربية مهمة في مستهل القرن العشرين، غالبيتهم من الفاسيين الذين يشتغلون في تجارة النسيج. الطفل يتحدث عما يحدث حوله بكثير من السذاجة، مما يضفي على السرد مسحة ساخرة، ويمنحه جرعة من التشويق والمتعة. المغرب يسمى “مراكش” والحياة هادئة ومرتبة في إنجلترا، بخلاف ما عليه الأمر في “مراكش”. عكس الإنجليز، “المراكشيون” يتحدثون بصوت مرتفع، ويحركون أيديهم كأنهم يتشاجرون. يكتشف الصبي خشونة الحياة في مجتمع محافظ، تسيطر عليه التقاليد العتيقة والنزعة الذكورية. لكن عبد المجيد لا يتمرد على الأسرة والمجتمع، كما صنع ادريس في “الماضي البسيط”، رواية إدريس الشرايبي التي تقدم نفس المغرب العتيق، لكن بجرعة زائدة من التمرد. بن جلون والشرايبي يشتركان في نقد التقاليد البالية، التي كانت تعيق تطور المغرب القديم، بنبرتين مختلفتين…
في أحد مقررات “قراءتي” الابتدائية، ثمة نصّ مقتبس من سيرة بن جلون، يسلط الضوء على العلاقة بين البطل وأخته. البنت التي اجتثت من بيئتها ولم تجد مكانا بين الأولاد، ثم مرضت وماتت قبل الأوان. بخلاف الصبي، لم تستطع الطفلة “الإنجليزية” الاندماج في المجتمع الذكوري الذي أعيدت إليه قسرا. في الوقت الذي عثر الصبي على مكانه بسهولة وسط أقرانه وأبناء عمومته. الأخت انطوت على نفسها ودخلت في عزلة، إلى أن أصيبت بمرض فتاك وذهبت إلى السماء. إحدى المقاطع المؤثرة في الرواية هي مشهد الطفل وهو يعانق أخته الميتة. بعد العناق ينهض شخصا آخر تماما، عركته الحياة. عبد المجيد بن جلون جعلنا نفهم مبكرا أن المرأة كائن هش وثمين، إذا لم نحسن معاملته نفقده الى الأبد !
مغربي في مانشستر







