يتجه الجدل مجدداً صوب مجموعة العمران بعد إعلانها عن طلب عروض أثمان مفتوح لتنظيم “أيام القرب” بمختلف مدن المملكة، وهي صفقة حُددت تكلفتها في أزيد من 1.5 مليون درهم، ستُفتح أظرفتها في الرابع عشر من يوليوز المقبل بمقر المجموعة بالرباط.
الإعلان الذي حمل رقم 22/2025/HAO/PMC، يلزم المتنافسين بإيداع ملفاتهم إلكترونياً، وفق المساطر الجديدة لتجريد الصفقات العمومية من الوثائق المادية، في خطوة تبدو في ظاهرها مسايرة للتوجهات الحكومية نحو رقمنة الصفقات، لكنها تطرح في عمقها أسئلة ملحة حول أولويات المؤسسة ونجاعة صرف ميزانيتها.
ففي وقت تروج فيه العمران لهذه الأيام التواصلية بهدف تحسين صورتها وتقريب خدماتها من المواطنين، يعيد مبلغ الصفقة المطروح إلى الأذهان سلسلة من التقارير السوداء التي طالت الشركة على مدى السنوات الماضية، والتي كشفت عن ضعف في الإنجاز وتكرار التأخر في تسليم المشاريع، فضلاً عن ملفات اختلاسات ضخمة لا تزال رائحتها تفوح من أروقة المؤسسة.
ولعل من أبرز تلك القضايا ما كشفه تقرير المجلس الأعلى للحسابات سنة 2013، حيث أظهر أن العمران سوقت مشاريع فيلات مغلقة في وجه العموم، ووقعت صفقات دون احترام قواعد المنافسة والشفافية، مع تسجيل نسب إنجاز كارثية لمشاريع السكن الاجتماعي وإعادة الإيواء لم تتجاوز 54 و51 في المائة على التوالي.
الأدهى أن بعض المشاريع الاستراتيجية للدولة، مثل برنامج “مدن بدون صفيح”، تأثرت بشكل مباشر بعجز العمران عن احترام آجالها، وهو ما ساهم في تعقيد أزمة دور الصفيح ورفع عدد الأسر المعنية بالترحيل إلى أكثر من 75 ألف أسرة في 2014، بعدما كان العدد يقل بعشرة آلاف أسرة فقط. وتبقى مدينة تامنصورت المثال الصارخ على إخفاقات العمران، بعدما تحولت من مشروع مدينة عصرية لتخفيف ضغط مراكش إلى فضاء شبه مهجور يعاني ساكنوه من غياب المرافق والخدمات الأساسية، وهي صورة تكررت تقريباً في مشروع مدينة الشرافات القريبة من طنجة التي لا تزال رهينة التأخرات والصراعات العقارية.
ومما يزيد من قتامة الصورة حول هذه المؤسسة العمومية، ما فجرته قضية العمران-الشرق التي تلاحق مديرها السابق زكرياء لزرق وعدداً من شركائه بتهم ثقيلة تتعلق باختلاس وتبديد أزيد من 61 مليار سنتيم من أموال الدولة، عبر صفقات وهمية وتزوير وثائق وصرف اعتمادات مشاريع في مجالات لا تمت بصلة للغرض المخصص لها، بحسب ما كشفه تقرير المفتشية العامة للمجموعة نفسه. وهي قضية لم يسدل الستار عنها بعد، وتؤكد حجم الهشاشة التي تنخر منظومة الحكامة داخل هذه المؤسسة رغم شعاراتها المعلنة عن الالتزام بالشفافية.
وبينما تواصل العمران الإعلان عن صفقات ذات طابع تواصلي أو تلميعي، ترى المصادر أنه كان الأجدى بها استثمار تلك الميزانيات في معالجة الأعطاب الكبرى التي تعيقها عن أداء دورها الحقيقي في تنفيذ السياسات السكنية والاجتماعية للمملكة. إذ لا معنى لصرف الملايين على “أيام القرب” للترويج لصورة مؤسسة ما تزال إخفاقاتها المتراكمة تثقل كاهلها، فيما يئن آلاف المواطنين المتضررين من تأخر شققهم وغياب المرافق في مشاريع العمران تحت وطأة الانتظار الطويل وفقدان الثقة.







