يُواجه مشروع “المحج الملكي” الذي يندرج ضمن برامج التهيئة الحضرية بالمدينة القديمة للدار البيضاء، موجة جدل متصاعدة، بعد إدراج عمارة تاريخية تعود لعائلة المقاوم الراحل الحاج علي المنوزي ضمن لائحة البنايات المرشحة للهدم، وهو ما أثار احتجاج العائلة ودفعها إلى اللجوء إلى المساطر القضائية لوقف تنفيذ القرار.
وبحسب معطيات حصلت عليها “نيشان“، فقد تلقت العائلة إشعارات شفهية من أعوان السلطة تفيد بقرب انطلاق عملية الهدم، دون أن تتوصل، إلى حدود الساعة، بأي إشعار إداري مكتوب، ما دفعها إلى إخلاء العقار بشكل استعجالي ليلة الأحد، وسط حالة من الاستياء والتخوف من التنفيذ الفوري.
عائلة المنوزي، التي وجّهت مراسلات رسمية إلى وزارة الداخلية والسلطات القضائية، أكدت أن العقار لا يندرج ضمن المباني الآيلة للسقوط، مستندة في ذلك إلى تقرير خبرة قضائية منجز بصفة حضورية، يؤكد سلامة البنية الهيكلية للعقار، ويشكك في مبررات القرار الإداري.
كما طعنت العائلة، عبر محاميها، في قرار الهدم أمام المحكمة الإدارية، مشيرة إلى أن المادة 12 من القانون رقم 94.12 المتعلق بالبنايات الآيلة للسقوط تنص صراحة على وقف التنفيذ بمجرد وضع الطعن، إلى حين صدور حكم نهائي. وهو ما يجعل تنفيذ الهدم، بحسبها، غير مشروع ويشكل “تجاوزًا صريحًا للقانون”.
الملف استأثر أيضًا باهتمام الجالية المغربية بالخارج، حيث أصدرت جمعيات مدنية ومنظمات حقوقية بيانًا تضامنيًا من العاصمة البلجيكية بروكسيل، وصفت فيه القرار بـ”الاعتداء على الذاكرة الوطنية”، داعية إلى احترام القانون وضمان تعويض عادل يراعي البعد الرمزي والتاريخي للعمارة.
ووفق إفادة أحد أفراد العائلة، عبد الكريم المنوزي، فإن العمارة ليست مجرد بناية سكنية بل “شاهد على ذاكرة نضالية”، معتبرًا أن القرار يشكل مساسًا برمز من رموز المقاومة الوطنية، ومشددًا على ضرورة احترام القانون والمساطر قبل الإقدام على أي إجراء تنفيذي.
ويأتي هذا الجدل حول عمارة المنوزي في سياق أوسع من الارتباك الذي يُلازم مشروع “المحج الملكي”، الذي انطلقت أشغاله منذ سنة 1989، دون أن يُحقق إلى اليوم أهدافه المعلنة في إعادة تأهيل النسيج العمراني للمدينة القديمة بالدار البيضاء. فقد ظلت عمليات الهدم تعرف طابعًا غير منتظم، وسط احتجاجات متكررة من السكان المرحلين، واتهامات بغياب الشفافية في تدبير ملفات التعويض والإيواء.
ورغم رصد اعتمادات مالية كبيرة، وتأطير المشروع من قبل الوكالة الحضرية ومصالح الداخلية، إلا أن تأخر التسليم، وتعقيدات الإحصاء، وغياب البدائل المناسبة، كلها عوامل ساهمت في تعميق حالة الهشاشة، وتحويل أجزاء واسعة من المدينة القديمة إلى فضاءات مهجورة تكدست فيها الأنقاض، وتراجعت معها جاذبية المنطقة سياحيًا وحضريًا.
ويقدّر عدد البنايات الآيلة للسقوط داخل نطاق المشروع بأزيد من 1700 بناية، وفق معطيات رسمية، فيما لم يتجاوز عدد المباني التي تم هدمها 422 وحدة إلى حدود مطلع 2024، وهو ما يعكس بطء الأشغال واستمرار معاناة الأسر المتضررة. هذا الواقع سبق أن حظي باهتمام برلماني، حيث وجّه نواب من المعارضة أسئلة إلى وزارة الداخلية حول أسباب التأخر، دون أن تُقدم السلطات المعنية توضيحات كافية للرأي العام.
وبين تعثّر التنفيذ واحتجاج السكان، يظل مشروع “المحج الملكي” اختبارًا مفتوحًا أمام صناع القرار المحلي، في ظل مطالب متزايدة بتبني مقاربة تشاركية تحترم الحق في السكن، وتوازن بين ضرورات التأهيل العمراني وحماية الذاكرة الجماعية.







