تعيش مقاطعة سيدي البرنوصي بالدار البيضاء على وقع توتر متصاعد، إثر تبادل الاتهامات بين رئيس المقاطعة، سعيد الصابري المنتمي لحزب البام، ونائبه الأول عصام الكمري عن الأحرار، في أزمة سياسية أخذت أبعاداً إعلامية وتنظيمية، بعد أن خرج الخلاف الداخلي إلى العلن عبر “بث مباشر” على فيسبوك، فُسّر على نطاق واسع كتشكيك في نزاهة المكتب المسير واتهام مبطن بتجاوزات “مشبوهة”.
التصعيد الجديد، الذي هزّ أركان المجلس المحلي، أعاد إلى الواجهة تداعيات طرد “الكمري” قبل أشهر من حزب التجمع الوطني للأحرار، واتهاماته المتكررة بـ”التواطؤ مع الفساد” و”تصفية الحسابات” داخل المقاطعة. بينما اعتبر رئيس المجلس أن ما جاء في خرجات النائب الأول “تحريض ممنهج وضرب لمصداقية المؤسسة المنتخبة”.
ورغم أن الخلاف بين الطرفين لم يكن طارئاً، فإن تحويله إلى معركة علنية على مواقع التواصل الاجتماعي أجّج موجة استياء عارمة في صفوف المنتخبين والموظفين، الذين استنكروا التشكيك في مؤسستهم، فيما طالب متابعون بفتح تحقيق داخلي لكشف حقيقة ما يجري خلف الكواليس، وسط مخاوف من تداعياته على الاستقرار الإداري والتنمية المحلية بالمنطقة.
وكانت التصريحات التي فجّرت الخلاف، قد جاءت على لسان النائب الأول عصام الكمري، عبر بث مباشر نُشر على صفحته الرسمية، تحدث فيه عن ما وصفه بـ”تواصل غير رسمي داخل الإدارة” وتعليمات تُمرر بطريقة “شفوية ومريبة”، ما أثار ردود فعل متباينة بين من اعتبرها “خرجة غير مسؤولة تمس بهيبة المرفق العمومي”، ومن رأى فيها “كسرًا لصمت طويل حول اختلالات مستفحلة”.
مصادر من داخل مجلس مقاطعة سيدي البرنوصي أكدت أن هذه الخرجة الإعلامية خلفت استياء عارمًا في أوساط المنتخبين وموظفي المقاطعة، واعتُبرت “تشكيكاً مجانياً” في كفاءة “المكتب المسير”، و”مغامرة سياسية محفوفة بالعواقب”. كما ذكّرت ذات المصادر بأن الكمري تغيب لعدة أشهر عن دورات المجلس واجتماعات اللجان، في مؤشر على توتر العلاقة بينه وبين باقي مكونات المكتب منذ مدة ليست بالقصيرة.
وفي خضم هذا التراشق العلني، سارع رئيس المجلس، سعيد الصابري، إلى إصدار بلاغ استنكاري باسمه الشخصي وصفته، حمّل فيه النائب الأول مسؤولية “تقويض الثقة في المجلس”، واصفاً خرجة الأخير بـ”الرعونة السياسية” و”حملة منظمة للتشويش على أداء المؤسسة المنتخبة”. وأضاف البيان أن هذه السلوكيات تمثل “انحرافًا خطيرًا عن منطق المسؤولية الجماعية”، مذكراً بأن المقاطعة تمر من مرحلة دقيقة تستوجب رصّ الصفوف لا تفجير النزاعات.
وتضيف الخلفية السياسية للنائب الأول طبقة أخرى من التعقيد إلى هذا الملف. فقبل أشهر، قرر حزب التجمع الوطني للأحرار طرد عصام الكمري من صفوفه، وهو ما فجّر نقاشًا داخليًا في الحزب وخارجه. الكمري قال حينها إن قرار طرده “وسام فخر” لأنه “يرتبط بمواقفه في محاربة الفساد وكشف التلاعبات في الصفقات العمومية”، مؤكداً أنه يتوفر على “ما يكفي من الحجج لإثبات ما يقول”. غير أن المنسق الإقليمي للحزب كان له رأي آخر، إذ اعتبر أن الكمري “خرج عن الانضباط التنظيمي وغادر التحالف المحلي دون ترخيص، وخرق ميثاق الأغلبية من خلال تصريحات إعلامية لا تمثل الحزب”.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن هذه المواجهة بين رئيس المجلس ونائبه تُجسّد أزمة ثقة عميقة داخل المجالس المنتخبة، وتكشف حدود ميثاق الأخلاقيات في تأطير سلوك المنتخبين، في ظل تسارع وتيرة “الرقمنة السياسية” وانتقال الصراعات من المؤسسات إلى منصات التواصل الاجتماعي.
وكانت الفرقة الاقتصادية والمالية التابعة للمصلحة الولائية للشرطة القضائية بولاية أمن الدار البيضاء قد فتحت شهر ماي المنصرم تحقيقاً معمقاً بناءً على تعليمات رئاسة النيابة العامة، إثر شكاية تقدم بها النائب الأول لرئيس مجلس مقاطعة سيدي البرنوصي، عصام الكمري، ضد رئيس المجلس سعيد الصابري، تتهمه بـ«خروقات وتجاوزات واختلالات تدبيرية ومالية تتعلق باستغلال النفوذ».
وتضمنت الشكاية، اتهامات صريحة من الأول للرئيس بإنشاء تجزئات وبنايات غير قانونية بمنطقة الحي الصناعي بسيدي البرنوصي، ومنح رخص ربط مستودعات عشوائية بعدادات ومولدات كهربائية مخالفة للقانون.
كما اشارت الشكاية إلى أن التجاوزات المزعومة أدت إلى انتشار بنايات عشوائية، وحفر آبار جوفية استنزفت الفرشة المائية بالمنطقة، فضلاً عن حرمان الدولة من رسوم مالية مستحقة جراء مخالفة تصاميم التهيئة وقوانين التعمير.







