رغم ما يُرفع من شعارات حول تمكين النساء وضمان المساواة في الحقوق، فإن الواقع الميداني لا يزال يعكس صورة مغايرة. فقد كشفت مؤسسة وسيط المملكة في تقريرها السنوي برسم سنة 2024، عن معطى مقلق، مفاده أن النساء لا يُمثلن سوى 24.6 في المئة من مجموع طالبي الوساطة، مقابل هيمنة ساحقة للرجال بنسبة فاقت 75 في المئة.
ووصفت المؤسسة هذا التفاوت بـ”الاختلال الجندري الصامت” الذي لا يرتبط فقط بالعوائق الإدارية، بل يعكس فجوة أعمق مرتبطة بالتمثلات الاجتماعية والثقافية التي تُقيد ولوج النساء إلى آليات الإنصاف، وتكبل قدرتهن على رفع الصوت حين يتعرضن للظلم أو الحيف الإداري.
التقرير أشار إلى أن نسبة من الشكايات التي تحمل أسماء نساء، تكون غالباً مرفوعة باسم رجل من العائلة (زوج، أب، أخ)، في ما يشبه “التمثيل بالنيابة”، حتى في ما يخص قضايا تمسّ المرأة شخصياً. وهو ما اعتبرته المؤسسة مؤشراً على ضعف استيعاب النساء لحقهن الفردي في التظلم، وعلى استمرار مظاهر التبعية القانونية والمعنوية داخل النسيج الاجتماعي.
ودعا التقرير، في هذا السياق، إلى تعزيز القنوات التواصلية الموجهة للنساء، لا سيما في العالم القروي والهامشي، حيث يتقاطع التهميش الجغرافي مع العوائق الثقافية. كما أوصى بتبني مقاربة تحسيسية ذات بعد نسائي، تتيح للنساء اكتساب الوعي بمسارات التظلم، وتمكنهن من التعامل مع الإدارة باعتبارهن مواطنات مكتملات الحقوق لا “تابعات” في ملفاتهن.
مؤسسة الوسيط ختمت هذا المحور بالتنبيه إلى أن غياب النساء عن مسارات التظلم ليس مجرد رقم، بل علامة على هشاشة في النظام الإداري نفسه، حين يعجز عن استيعاب نصف المجتمع، ويظل مشلولاً أمام صوته.







