لا تزال الحكومة تُماطل في الكشف عن تصورها الرسمي لإصلاح أنظمة التقاعد، التي تعاني من اختلالات بنيوية تهدد استدامتها. ففي وقت تتزايد فيه مؤشرات الأزمة داخل صناديق التقاعد، لا تزال الحكومة تلتزم الصمت، دون الإفراج عن “الوصفة” الإصلاحية التي وعدت بها منذ فترة.
ويأتي هذا التراخي في سياق تتبعه الفرقاء الاجتماعيون والاقتصاديون بقلق، خاصة بعد تكرار التحذيرات الصادرة عن تقارير وطنية ودولية، والتي تشير إلى العجز الهيكلي المتفاقم في صناديق التقاعد، خصوصًا النظام المغربي للتقاعد (CMR) الذي يدير شؤون القطاع العام، والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد (RCAR) إلى جانب الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS).
وكان من المنتظر أن تقدم الحكومة تصورا متكاملا لإصلاح هذه الصناديق خلال جولات الحوار الاجتماعي الأخيرة، بعد أن أنهت اللجنة التقنية المشتركة أشغالها ورفعت توصياتها قبل أشهر. إلا أن الحكومة، بحسب مصادر نقابية، ما تزال “تدور في حلقة مفرغة”، ولم تُحدد بعد خياراتها الكبرى بشأن طبيعة الإصلاح، سواء كان مقياسيا (عبر رفع سن الإحالة على التقاعد وزيادة الاقتطاعات) أو هيكليا (عبر الانتقال إلى نظام القطبين أو النظام الموحد).
ويُعزى هذا التأخر، بحسب مراقبين، إلى حساسية الملف وارتباطه المباشر بفئات واسعة من الموظفين والأجراء، فضلًا عن تكلفته السياسية والاجتماعية، ما يجعل الحكومة تحاول كسب مزيد من الوقت في أفق حسم التوجهات الكبرى، دون المجازفة بقرارات غير شعبية.
في هذا السياق أبرز التقرير السنوي حول الاستقرار المالي لعام 2024، الصادر عن بنك المغرب وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي والهيئة المغربية لسوق الرساميل، أن أنظمة التقاعد الأساسية بالمغرب لا تزال تعاني من اختلالات هيكلية كبيرة، رغم بعض التحسن المؤقت في مؤشرات الأداء المالي بعد تطبيق زيادات الأجور في أبريل الماضي.
وأشار التقرير إلى أن أنظمة التقاعد التابعة للقطاع العمومي، والتي تضم نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، شهدت تحسناً جزئياً في مستوى المساهمات بفضل هذه الزيادات، ما خفف من حدة العجز، إلا أن قابلية هذه الأنظمة للاستمرار على المدى الطويل لم تشهد تحسناً ملحوظاً.
أما على صعيد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فقد حافظ فرع التقاعد طويل الأمد على رصيد إجمالي إيجابي، مستفيدا من الدينامية الديموغرافية الإيجابية في القطاع الخاص، رغم أن الاحتساب المنقوص لحقوق المؤمن لهم وتخفيف شروط الولوج إلى المعاش أو استرجاع المساهمات يشكل عوامل تؤثر سلباً على التوازن المالي للصندوق على المدى البعيد.







