لم يُكْتب عن شاعر بعد موته مثلما كُتِب عن محمود درويش !
سيل غزير من المقالات الرصينة والسخيفة والحكايات الحقيقية والمتخيلة والتحيات الصادقة والمزيفة والمرثيات الرديئة والمتكلفة… التي تصل ذروتها في التاسع من غشت كل عام، الذي يوافق ذكرى وفاته (8 غشت 2008). وسائل التواصل الاجتماعي تفيض بقصائده المبتورة والغارقة في أخطاء النسخ و الإحالة، وبالصور التي ينشرها بعض المدّعين برفقته، مع تعليقات تدعو للضحك… ولو قُدِّر لصاحب “حبيبتي تنهض من نومها” أن يرجع للحياة، لكان أول شيء يفعله هو أن يصرخ فيهم صرخته الشهيرة : “أنقدونا من هذا الحب القاسي !”
إذا كان كثيرون يكتبون عن درويش طوال العام، فإن من ينتبهون إلى نصوصه، في روحها العميقة، قليلون جدا، معظم من يستحضرون مؤلف “أحد عشر كوكبا” تهمهم شهرته أكثر من أي شيء آخر، ولا يفرقون بين روائعه و بين فذلكات أحلام مستغانمي، بل إن بعضهم يعتقد أن “الأسود يليق بك” أحد دواوينه الشعرية!
قبل بضع سنوات، طرحت مغنية مشهورة ألبومًا يتضمن ما يفترض أنها قصائد ملحّنة لمحمود درويش، قبل أن يتضح بعد نزول الأغاني أن واحدة منها على الأقل، لا علاقة لها البتة بما كتبه صاحب “هي أغنية، هي أغنية” بل مجرد جمل ركيكة تروج على الأنترنيت وتنسب خطأ لمؤلّف “لا تعتذر عما فعلت”… كأن الأمر يتعلق بشاعر جاهلي، اختلف الرواة في جمع شعره، وليس بمبدع معاصر نشَر كل قصائده في كُتُب يسهل العثور عليها… إنه الجهل والتسرّع وتغوّل الرداءة!
أنا أيضا أكتب عن درويش، في النهاية، وأشترك في “المهزلة”، لكن عذري أنني أريد أن أعتذر للرجل، وإن بشكل متاخر.
لم ألتق بصاحب “حالة حصار” خارج قصيدته، رغم تعدد المناسبات في نهاية التسعينات وبداية الألفية، بين الرباط وباريس. حرصت بعناية ألاّ يحدث ذلك كي لا تتحطم الأسطورة. رغم أنني مدين له بالدخول إلى عالم الكتابة. عندما كنت تلميذا في الثانوية، حصلت على “كاسيت” لقصيدة “مديح الظل العالي”، ما إن وضعتها في آلة التسجيل حتى أحسست بأن انقلابا خطيرا وقع في حياتي. كنت أستعد للذهاب إلى حصة ما بعد الظهر ذات أربعاء مشمس: أربع ساعات من الفيزياء والعلوم الطبيعية… “الضالا” كما كنا نسميها، لأننا نعود للبيت في آخر النهار قتلى من التعب، كأننا اشتغلنا في ورش بناء…
عندما سمعت درويش يهتف: “بحر لأيلول الجديد/ خريفنا يدنو من الأبواب”… اتخذت قراري: لن أذهب إلى حصة الفيزياء والعلوم الطبيعية!
شعرت كأن شخصا صفعني، ولم أعد أرى الأشياء كما كنت أراها من قبل. فيما بعد أدركت أن “مديح الظل العالي” ألقت بي في آلة الزمن، وعبرت القرون بسرعة. كنت أعيش في “الجاهلية” مع امرئ القيس وعنترة العبسي وزهير بن أبي سلمى، أتعلق في “المعلقات” و”كتاب الأغاني” و”طبقات فحول الشعراء”… حين اكتشفت أشعار درويش، أحسست بأن غرفتي توسعت وأن العالم صار أرحب بشكل لا يصدق، وطوال النهار جلست أقلب “الكاسيت” في خشوع كأنني راهب في معبد… وحفظت “مديح الظل العالي” عن ظهر قلب!
عندما أصبحت طالبا في معهد المسرح، بداية التسعينيات، وطلب منا أستاذ “الإلقاء” اختيار نص نتدرب على أدائه لاجتياز الامتحان، لم أتردد في انتقاء هذه المطولة، التي مازالت كلماتها ترنّ في رأسي مثل أجراس بعيدة. يوم الاختبار، عنت لي فكرة شيطانية، وأخبرت الزملاء بأنني سأدبر مقلبا للأستاذ: سأقرأ مقاطع من “مديح الظل العالي”، كما اتفقنا، وعندما “أفرقع” أصابعي سأدخل في نص آخر، لا علاقة له بدرويش، كتبته بنفسي، وتحديت الجميع بأن الأستاذ لن ينتبه. كنا طلابا وقحين، نعشق المقالب. في اليوم المعلوم، وقفت على الخشبة وشرعت في “مديح الظل العالي”، مركزا على المقطع الذي يتحدث عن الشاعر خليل حاوي وكيف أخرج بندقية صيد وأفرغها في رأسه، احتجاجا على اجتياح الإسرائيليين لبيروت، قبل أن أصل إلى آدم: “لست آدم كي أقول خرجت من بيروت منتصرا ومنهزما أمام الله…”، هنا فرقعت أصابعي وواصلت، وأنا أكتم الضحكة: “آدم في الغيوم/ يتبع امرأة ثم يقفز فوق النجوم/ توتة توتتان/ يسقط العاشقان”… لم تتمالك إحدى الزميلات نفسها فانفجرت ضاحكة، مما جعل الأستاذ يفقد صوابه ويصرخ في وجهها: “اخرجي عليا، السيد كيتكلّم على حصار بيروت ونتي كتكركري، كيحسابكم التوت هو داك المفهوم المريض اللي فراسكم… خرجي عليا”… وطردها من الفصل شرّ طردة !
“أنقذوه من هذا الحبّ القاسي”!







