فتح خطاب العرش الباب أمام محاسبة شفافة، ننتظرها مند مدة، لحكومة تتشفى في المواطنين بكل ما أوتيت من وسائل. قال ملك البلاد، بلسان صدق، ما كان منتظرا منه كقائد للأمة، وكراعي لحقوق المواطنين في العيش الكريم. وضع أصبعه على مكامن الداء، وركز على التشغيل والصحة والتعليم والولوج إلى الخدمات الأساسية.
وجه وزير الداخلية رسائل واضحة إلى الولاة والعمال، وأكد أن العمل على تنزيل مضامين الخطاب الملكي يبدأ اليوم، وبمنهجية تشاركية وتفاعلية، وجديدة من خلال ” جيل جديد من البرامج المندمجة للتنمية الترابية”. يتبين من قراءة الرسالة أن هناك ملامح ” دخول مرحلة جديدة”، وأكثر من هذا، أن الكيل قد فاض، بعد سنوات حكومية افتقدت البوصلة في التوجه إلى تحقيق برنامج حكومي، كان انتخابيا أكثر من اللازم. ووصل أوج صناعته إلى مشهد كوميدي طلب خلاله، رئيس مجلس النواب، الطالبي العلمي، من المغاربة أن ” يرموه بالحجارة ” ان لم يتم تحقيق وعود حزبه ،الذي يرأسه السيد عزيز اخنوش. يجب التأكيد للسيد رئيس مجلس النواب، أن المغاربة الأحرار، وضمنهم كثير لا ينتمون لحزب، لأنهم ينتمون لوطنهم أولا، لا يرمون الناس بالحجارة. ولكنهم يريدون محاسبة المسؤول السياسي، ولا يريدون أن يعيدوا ” الترابي” لمن يدبر الشأن العام. يريدون أن يخضع للقانون، وان يبتعد عنهم.
كانت توجيهات الوزير لفتيت كثيرة الرسائل الدقيقة، وغنية بتقييم الأداء الحكومي عشية مرحلة انتخابية، تتطلب الحذر من إستغلال المواقع والتموقعات، وكل الأفعال الانتهازية التي أنتجت الواقع المعيشي الصعب للمواطنين المغاربة . قال عظماء صنع البلاغة اللغوية أن ” بضدها تتميز الأشياء “. وتحمل رسالة وزير الداخلية محاور تبين النقائص الجوهرية من خلال محاورها الأربعة التي سينكب عليها المسؤولون الكبار في الإدارة الترابية.
تتضمن هذه المحاور، التي ستشكل البرامج المندمجة الجديدة للتنمية الترابية، تنمية التشغيل باليات جديدة من خلال استنباط الوسائل التي يتيحها المجال الترابي وإمكانيات كل منطقة. ويعكس هذا المحور الفشل الذي تسببت فيه البرامج الحكومية الذي كانت مليئة بالوعود، والتي اوصلتنا إلى معدل بطالة يجاور 12 % . ويؤكد المحور الثاني على تقوية الخدمات الإجتماعية الأساسية. وهو ما يعني أن هذه الخدمات لم تتميز الا بضعفها خلال السنين الأخيرة. يكفي أن نذكر بالحالة التي يوجد عليها التعليم والصحة، للتأكيد على أن كرامة الكثير من المواطنين قد عرضتها كثير من السياسات الحكومية للتدهور. ولا زالت مكامن ضعف العدالة الإجتماعية والمجالية جاثمة على صدر الكثير من المواطنين، ومترجمة لضعف تحويل الوعود الانتخابية وتلك التي تضمنها البرنامج الحكومي إلى فعل في الواقع.
وتؤكد مضامين المحورين الثالث والرابع على ضرورة التدبير الاستباقي والمستدام للموارد المائية، وعلى ترقية مستوى التنمية الترابي والمندمج في علاقته بالمشاريع الوطنية الكبرى التي توجد قيد الإنجاز. ويعكس هاذان التوجيهان غياب التدبير الاستباقي في مجال حيوي كالماء وغياب آثار المشاريع الكبرى على محيطها الترابي القريب والبعيد. ووجب التذكير بأن عنصر ” تأثير الإستثمار العمومي على محيطة منطقة إنجازه”، يعتبر أهم عنصر لتقييم آثاره. وهذه ابجديات التخطيط الاقتصادي، وطرق تحليل المردودية الاقتصادية، وليس المالية فقط.
سيكون لهذه الرسالة التوجيهية التي وقعها وزير الداخلية ما بعدها. سيضطر كل الوزراء إلى تحرير عمل ممثليها في الجهات والعمالات والأقاليم لكي يساهموا بالفعل في تدبير البرامج الجديدة التي سيشرف على الولاة والعمال. سيجد زعماء الأغلبية الحكومية أنفسهم، وعلى رأسهم، عزيز اخنوش، في طريق ضيقة لا تتيح غير أداء المهام العادية بعيدا عن إمكانية التأثير السياسي عبر استغلال المناصب، وعبر التحكم في قرار توزيع المال العام.
تحتم الآثار المنتظرة من هذه الرسالة التوجيهية إعادة التفكير في مقاييس قبول الترشيحات للوصول إلى كل المجالس الانتخابية. لقد مل المواطنون المغاربة الفوضى التي تسيطر على ” سوق الفوضى والتسيب ” التي لا يمكن أن نصفها بالسياسية، ولنبل السياسة كقواعد لا يمكن أن يتقيد بها ” الأمي ولو كان شريفا، وضعيف الكفاءة، وصاحب السوابق، والكذاب الذي يزيد في كذبة عشية كل الانتخابات”. وهذا ما يحتم مراجعة جوهرية للقوانين التنظيمية للانتخابات.
ويبقى من الضروري أن نشير إلى أن هذه الرسالة كانت ستكون أكثر إيضاحا لو ركزت على عاملين مهمين وأساسيين. يتعلق الأول بمنهجية متابعة التنفيذ، والثاني بالتقييم والمحاسبة. ويعتبر وجود هذان العنصران مطابقا للدستور، وفي قلب الحكامة الجيدة التي ركز عليها تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد. ويبقى أن يجتهد ” المعول عليهم”، وهم الولاة والعمال، وأن يكونوا في الموعد وأن يتسلحوا بالكفاءات المنضبطة للقانون، لكي يتم بلوغ الغايات.
رسالة لفتيت إلى الولاة والعمال، وضوح وشمولية وتقييم.. هل فتح الباب لطي صفحة أخنوش؟







