في سنة 2020، اقترحت أحزاب في المعارضة منح رشوة “مقنعة” للمغاربة مقابل تصويتهم في الانتخابات التي سجلت أرقامًا صادمة من حيث نسب العزوف، وأيضًا عدد الأوراق الملغاة التي تحولت إلى شكل احتجاجي.
المقترح، الذي جاء ـ وفق مهندسيه ـ ضمن مذكرة للإصلاح السياسي والانتخابي، حمل صيغة “مقايضة”، اعتبر التصويت شرطًا ترجيحيًا للاستفادة من الخدمات والبرامج الاجتماعية، كالسكن الاجتماعي، الإنعاش الوطني، والدعم والتكافل الاجتماعي، مع اعتباره أيضًا شرطًا ترجيحيًا عند تساوي المرشحين في الولوج إلى الوظيفة العمومية.
إذا كانت المعارضة حينها قد اقترحت مثل هذا الإجراء، فلن نستغرب إذا تبنت أحزاب في الأغلبية، بمناسبة الانتخابات القادمة، مقترحات بفرض غرامات مالية أو حرمان عموم المواطنين من الدعم،وبعض حقوقهم المقضومة. وهو أمر لن يكون عسيرًا على سياسيين أيقنوا أن استرجاع ثقة جزء واسع من المغاربة، وإقناعهم بأهمية العملية الانتخابية وجدواها في صنع القرار وإحداث الفرق في حياتهم وواقعهم المعيشي، صار مستحيلاً. وبالتالي، فإن الأفضل ـ حسب منطقهم ـ جرهم للتصويت بمنطق العصا والجزرة.
اليوم، تراهن الدولة، من خلال وزارة الداخلية، على رفع نسبة التصويت، دون أن تملك وصفة لذلك، ودون أن تقدم ما يُقنع المغاربة بجدوى وجود منتخبين، ما دامت قد استبقت الانتخابات بدعوة الولاة والعمال لتبني برامج تنموية ترابية جديدة.
هذا المنطق، الذي يتعامل مع الانتخابات كمجرد سوق أو موسم يُعقد كل مدة زمنية، هو عامل إضافي يزيد من كفر الناس بالسياسة، ويُكرّس الصورة النمطية للمرشحين وللفاعل السياسي والحزبي عمومًا، كما يؤثر وبشكل فادح على مصداقية المؤسسات التي تولد من عمليات انتخابية تحتاج دومًا لعملية تنفّس اصطناعي و”تنكيف”.
الأحزاب التي تقف الآن حائرة، ومعها دون شك الدولة، أمام شبح العزوف، كان عليها أن تجتهد في وضع بدائل وتقديم عروض تتماهى مع انتظارات الشارع الذي طرق جدران الخزان أكثر من مرة، وبعث برسائل كثيرة تم التعامل معها إما بالإنكار، أو الصمت، أو بعقلية المؤامرة، كما حدث في حملة المقاطعة.
كان على الأحزاب أن ترفع “النيفو” ولو قليلاً، وأن تسهم في إغناء النقاش العمومي، وطرح تصورات حقيقية وواقعية وجريئة للإصلاحات السياسية التي يجب أن تترافع بشأنها لكي ترى النور فعلاً، لا أن تتحول إلى قنطرة لصفقات جديدة توصل للمناصب وعربة السلطة، كما تعوّدنا.
والواقع أن العزوف قادم لا محالة، استحضارًا لدراسة رسمية سابقة أعلنت احتضار العمل السياسي بالمغرب، بعد أن عانى ولسنوات من شيخوخة وأمراض مزمنة، عمّقتها حروب داحس والغبراء التي انخرطت فيها جل الأحزاب، إما بفعل فاعل، أو نتيجة المناورات والدسائس والانقلابات الداخلية التي وقفت وراءها وجوه عَمّرت طويلاً.
الدراسة، التي مُوّلت من طرف الدولة، كشفت أن نسبة مشاركة الشباب المغربي في العمل السياسي لا تتعدى 1 في المائة، وهو رقم جد مخيف، كان من المفترض استقباله بقلق بالغ، وطرحه للنقاش كأولوية، بعد أن تبين أن السياسة والأحزاب المغربية ستصبح، بعد وقت قريب جدًا، بدون قطاع غيار صالح، في ظل هذا العزوف الذي يمتد ويتسع، بتحريض من مشهد سياسي غير صحي، ومليء بالتناقضات التي تفقده أي قيمة أو جاذبية.
الإصلاح أو التغيير لن ينجح دون الاستثمار في الفرد المنتج، وهي أولوية يتعيّن أن تكون ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي جديد. لكن، تحقيق هذا الهدف في حد ذاته لن يكون متاحًا في ظل حالة الجمود والانتظارية التي تسيطر على فاعل سياسي تقليدي، ومجرد من أي إبداع أو قدرة على ترجمة نبض وتطور الشارع، فاعل كل همه هو قطع الطريق في وجه جريان النخب والتداول على المناصب.
عدد الشباب في المغرب يُقدّر بـ11.7 مليون، والسؤال الذي يتعين طرحه: ماذا فعلت الدولة والحكومات المتعاقبة لهؤلاء، بعد أن تبين أن معظمهم كان ضحية لتعليم معطوب، ومناخ اجتماعي وسياسي حافل بالأمراض؟
النتيجة أننا حصلنا على جيل مدمَّر، ومنغلق، وفاقد للثقة في نفسه ومحيطه، بعد أن تبين أن 82 في المائة من شباب المغرب لا يمارسون أي نشاط ترفيهي، و75 في المائة لا يتوفرون على أية تغطية صحية، وأن 20 في المائة منهم مهددون بالإصابة باضطرابات نفسية وصحية، فيما أوروبا القريبة أصبحت تُنتج وزراء لا يتجاوز سنهم 30 سنة.







