كشف الدليل الاسترشادي الذي أصدرته رئاسة النيابة العامة موجهاً إلى قضاة النيابة العامة حول العقوبات البديلة، عن تفاصيل دقيقة تهم كيفية تنزيل القانون رقم 43.22 والمرسوم التطبيقي رقم 2.25.386، اللذين دخلا حيّز التنفيذ في فاتح غشت الجاري. ويعد هذا الدليل، الذي وقّع تقديمه هشام البلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، مرجعاً عملياً يروم توحيد الممارسة القضائية وضمان تفعيل فعال لهذا الإصلاح التشريعي الجديد.
وجاء في التقديم أن إصدار الدليل يدخل في إطار الانخراط في ورش إصلاح العدالة الجنائية، بما يستجيب للتوجيهات الملكية التي شدد عليها الملك محمد السادس في خطاب 20 غشت 2009، حين دعا إلى تحديث السياسة الجنائية وتبني مقاربات بديلة للعقوبات السالبة للحرية. وأكد البلاوي أن نجاح التجربة رهين بانخراط جاد ومسؤول من طرف قضاة النيابة العامة في جميع مراحلها، من اقتراح العقوبة البديلة إلى تتبع تنفيذها ومراقبة التزامات المحكوم عليهم.
وبالتفصيل، أوضح الدليل أن العقوبات البديلة تشكل استجابة للإشكالات التي أفرزها الاعتماد المفرط على العقوبات القصيرة الأمد، والتي ساهمت في تضخم عدد نزلاء المؤسسات السجنية وما لذلك من انعكاسات سلبية على برامج التأهيل وإعادة الإدماج. وفي هذا السياق، قدم الدليل شرحاً موسعاً لأنواع العقوبات التي جاء بها القانون الجديد، مؤكداً أن نطاقها يقتصر على الجنح التي لا تتجاوز عقوبتها خمس سنوات حبسا نافذاً، مع استبعاد الجرائم الخطيرة والمرتبطة بأمن الدولة وسلامة الأشخاص.
وتوزعت العقوبات البديلة، بحسب ما فصّله الدليل، على أربعة أصناف: العمل لأجل المنفعة العامة، المراقبة الإلكترونية، تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير علاجية وتأهيلية، ثم الغرامة اليومية. وأبرز أن العمل لفائدة المصلحة العامة يخضع لتنسيق مسبق بين النيابة العامة والجهة المستفيدة، مع تحديد دقيق لطبيعة المهام وساعات الإنجاز. أما المراقبة الإلكترونية، فترتكز على استعمال السوار الإلكتروني لضبط حركة المحكوم عليه داخل نطاق جغرافي محدد، مع تقارير متابعة دورية ترفع للنيابة العامة. وفي ما يخص الغرامة اليومية، نص الدليل على أن القاضي يحدد مبلغاً يومياً يتناسب مع الوضعية المادية للمحكوم عليه، ويؤدى عن كل يوم كان من المفترض قضاؤه داخل السجن، مع إمكانية الأداء دفعة واحدة أو على أقساط. أما التدابير العلاجية والتأهيلية فتشمل الخضوع لبرامج علاج من الإدمان أو المشاركة في مسارات تأهيل اجتماعي ومهني، يتم تتبعها بتقارير ترفع دورياً للنيابة العامة.
وبقدر ما فصل الدليل في طبيعة العقوبات، فإنه شدد بالأساس على دور النيابة العامة، التي أوكل إليها القانون صلاحيات واسعة تبدأ من تقديم ملتمسات الاستبدال بالعقوبة البديلة، مروراً بإحالة المقررات على قاضي تطبيق العقوبات، وصولاً إلى المراقبة المباشرة لالتزام المحكوم عليهم بشروط العقوبة. ونبّه إلى أن أي إخلال بهذه الالتزامات يفتح المجال أمام النيابة العامة لطلب الرجوع إلى العقوبة الأصلية، مؤكداً في الوقت نفسه أن تحرير منطوق الأحكام يجب أن يتم بدقة متناهية، مع تضمين كل البيانات المتعلقة بالعقوبة الأصلية والبديلة على حد سواء.
ولم يقتصر الدليل على الجانب الوطني، بل استند أيضاً إلى مرجعيات دولية عدة، بينها قواعد الأمم المتحدة المعروفة بـ”قواعد طوكيو” بشأن التدابير غير الاحتجازية، و”قواعد بيكين” الخاصة بقضاء الأحداث، و”قواعد بانكوك” المرتبطة بمعاملة النساء السجينات، إضافة إلى توصيات مجلس أوروبا التي تعتبر العقوبات السالبة للحرية تدبيراً استثنائياً لا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى. واستدل الدليل بهذه المرجعيات ليؤكد أن المغرب يسير في اتجاه ينسجم مع التوجهات العالمية الرامية إلى الحد من اللجوء المفرط للسجون، والتخفيف من أعبائها المالية، وفتح مسارات جديدة للإصلاح والاندماج.
كما تضمن الدليل حلولاً عملية للإكراهات التي قد تعترض التنفيذ، منها كيفية التعامل مع حالات تعثر المحكوم عليهم في أداء الغرامة اليومية أو الامتناع عن الالتزام بالبرامج التأهيلية، حيث أتاح آليات مرنة لمعالجة هذه الصعوبات دون الإخلال بمبدأ الردع، مع الحفاظ على إمكانية العودة إلى العقوبة الأصلية متى اقتضى الأمر ذلك.
وبحسب رئاسة النيابة العامة، فإن هذا الدليل يشكل أداة لتوحيد الممارسة القضائية وضمان انسجامها بين مختلف المحاكم، كما يوفر مرجعاً للباحثين والفاعلين الميدانيين لفهم تفاصيل السياسة العقابية الجديدة. وهو بذلك لا يمثل فقط كتيباً توجيهياً لقضاة النيابة العامة، بل لبنة أساسية في مسار إرساء عدالة أكثر نجاعة وإنصافاً، تراهن على التوازن بين حماية المجتمع من الجريمة وتمكين المحكوم عليهم من فرص إصلاح حقيقية بعيداً عن جدران السجون.
ويخلص الدليل إلى أن هذا الدليل يفتح الباب أمام تحول نوعي في السياسة العقابية المغربية، يجعل من العقوبة فرصة للإصلاح بدل أن تكون مجرد أداة للردع، ويؤشر على انتقال القضاء المغربي إلى مرحلة جديدة تراهن على بدائل مبتكرة قادرة على خدمة العدالة والمجتمع معاً.







