لم تعد الاحتجاجات التي شهدتها مدن مغربية كبرى، وفي مقدمتها الرباط وتطوان والدار البيضاء وطنجة ومراكش، مجرد حدث اجتماعي عابر، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لحالة انسداد سياسي واجتماعي يطبع السنة الأخيرة من ولاية حكومة عزيز أخنوش. أصوات الشباب التي ارتفعت مطالبة بالتعليم الجيد والصحة والشغل والعيش الكريم، وُوجهت بتدخلات أمنية كثيفة واعتقالات واسعة، فخلقت صوراً صادمة تجاوزت حدود الداخل لتطرح سؤالاً محرجاً عن صورة المغرب في الخارج، في لحظة سياسية ودبلوماسية دقيقة.
ففي الوقت الذي يتبوأ فيه المغرب رئاسة مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، ويستعد لاحتضان كأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، ويتحرك دبلوماسياً لإقناع المنتظم الدولي بجدية مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء، يجد نفسه في موقف حرج: كيف يمكن تبرير مشاهد اقتياد شباب من أمام عدسات الصحافة والميكروفونات، بينما الخطاب الرسمي يُقدّم البلاد كـ“نموذج ديمقراطي” و“شريك استراتيجي” في المنطقة؟ مصدر حقوقي بارز وصف في اتصال هاتفي بـ “نيشان” هذه المشاهد بأنها “تناقض خطير بين الخطاب والممارسة”، مضيفاً أن “الصور التي التقطتها الصحافة الأجنبية من قلب شوارع الرباط تسيء أكثر من أي تقرير دولي، لأنها تُظهر أن هامش الحرية يضيق أمام المطالب الاجتماعية المشروعة”.
لكن ما وراء هذه الصور هو أعمق بكثير. فجيل جديد من الشباب، يُعرف إعلامياً بـ“جيل Z”، دخل فجأة على خط الفعل السياسي والاجتماعي دون وساطة الأحزاب أو النقابات، معتمداً على شبكات التواصل لتنسيق تحركاته وحشد قواعده. هذه الدينامية تُظهر أن أزمة الثقة مع الوسائط التقليدية بلغت ذروتها. “حميد أيت ورغايلي” الباحث في علم الاجتماع بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، اعتبر أن “الأحزاب فقدت دورها التمثيلي أمام جيل يعتبرها جزءاً من المشكل لا من الحل”، مضيفاً في اتصال هاتفي مع نيشان أن “ما جرى يُنذر بظهور فاعلين جدد خارج قواعد اللعبة الرسمية، وهو ما يُربك الدولة ويجعلها أكثر ميلاً إلى الحل الأمني”.
الاحتقان الاجتماعي الذي انفجر في الشارع لم يأتِ من فراغ. فحكومة أخنوش، التي قدّمت نفسها كواجهة لـ“الدولة الاجتماعية”، تدخل سنتها الأخيرة محمّلة بانتقادات واسعة. وعود لم تتحقق، إصلاحات مؤجلة، ومشاكل اجتماعية تتفاقم. نسب البطالة في صفوف الشباب ترتفع، المنظومة الصحية تعاني من اختلالات بنيوية، وقطاع التعليم يعيش أزمة ثقة عميقة.
ورغم إطلاق برامج لتشغيل الشباب، فإن أثرها ظل محدوداً بعد فشل أغلبها. في المقابل، لم يغب عن المشهد الجدل المتواصل حول تضارب المصالح، بعد حصول إحدى شركات رئيس الحكومة على صفقة محطة تحلية المياه في الدار البيضاء بمليارات الدراهم، ما عزز الانطباع بأن النخبة السياسية منشغلة أكثر بتدبير مصالحها الخاصة بدل الانكباب على أزمات المواطنين.
المعارضة استغلت هذه اللحظة لتصعيد خطابها. الحزب الاشتراكي الموحد أدان ما وصفه بـ“التجييش الأمني غير المبرر”، فيما أعلنت فيدرالية اليسار تعليق مشاوراتها مع وزارة الداخلية، معتبرة أن “أي حوار سياسي يفقد معناه في ظل قمع الحريات”. أما المنظمات الحقوقية، فقد طالبت بإطلاق سراح الموقوفين فوراً، وذكّرت الحكومة بالتزامات المغرب الدولية.
التناقض بين الداخل والخارج بدا واضحاً. ففي الوقت الذي يحرص فيه المغرب على بناء صورة قوة صاعدة، منخرطة في ملفات كبرى كتنظيم تظاهرات رياضية عالمية والدفاع عن قضايا استراتيجية كقضية الصحراء، تأتي صور الاحتجاجات والاعتقالات لتضعف هذا المسعى. وأشار مصادر مطلعة إلى أن “المغرب يخاطر بتقويض جزء من رصيده الدبلوماسي عندما يرسل للخارج إشارات متناقضة، تشمل خطابا عن الحريات، وممارسة تعاكسه على أرض الواقع”.
وبينما تتجه الأنظار إلى الأشهر الأخيرة من ولاية “حكومة أخنوش”، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل ستقرأ الدولة الرسالة القادمة من الشارع باعتبارها إنذاراً يستوجب إصغاءً عاجلاً وتغييرات ملموسة، أم أنها ستواصل الرهان على المقاربة الأمنية التي قد تجر البلاد إلى مزيد من الاحتقان؟ الجواب لم يتضح بعد، لكن ما هو مؤكد أن احتجاجات جيل Z لم تكن مجرد هبّة عابرة، بل ناقوس خطر يختبر جدية الدولة في الاستجابة لمطالب مجتمع يزداد تطلعاً للعدالة الاجتماعية والكرامة.







