في خضمّ الاحتجاجات الشبابية التي تهزّ مدنًا مغربية منذ أكثر من عشرة أيام، عاد اسم عزيز أخنوش إلى واجهة الجدل من بوابة المقاطعة الشعبية. فجيل “زيد” الذي فجّر موجة غضبٍ رقمية غير مسبوقة، أطلق حملة جديدة تستهدف منتجات وشركات تابعة له ولزوجته سلوى إدريسي أخنوش، في خطوة أعادت إلى الاذهان مشهد مقاطعة 2018 التي أصابت حينها “إفريقيا غاز” و”سيدي علي” و”سنطرال” في مقتل. لكنّ النسخة الحالية من المقاطعة لا تبدو تكرارًا للماضي بقدر ما تمثل تصعيدًا نوعيًا، لأنّها تأتي متزامنة مع احتجاجات اجتماعية متصاعدة، ولأنها تمسّ هذه المرة مختلف فروع إمبراطورية اقتصادية وسياسية مترابطة تقف في صلب السلطة.
جيل “زيد”، الذي نشأ في الفضاء الرقمي ويتمتع بقدرة هائلة على التعبئة الفورية، اختار تحويل غضبه من الشارع إلى الأسواق، ومن الاحتجاج الميداني إلى المقاطعة الاستهلاكية، في ما يشبه معركة رمزية جديدة ضد “رأسمالية السلطة”، تتخذ من الهاتف الذكي ومنشورات “إنستغرام” و” منصة ديسكورد” أدوات ضغط أكثر تأثيرًا وفعالية من الشعارات التقليدية.
ومع اتساع رقعة الحملة على المنصات، بدأت بوادر تأثير اقتصادي فعلي تظهر في نسب المتابعة والتفاعل، مع دعوات إلى استهداف كل منتجات مجموعة “أكوا” وفروعها التجارية، بما في ذلك العلامات التابعة لزوجته في مجالي الماكياج والموضة.
هذا التوجه الاستهلاكي الاحتجاجي ليس جديدًا في العالم، لكنه في السياق المغربي يأخذ طابعًا سياسياً مباشرا، إذ يأتي في مواجهة رئيس حكومة يجمع بين المال والسلطة. فالمقاطعة الأولى سنة 2018 كانت احتجاجًا على الأسعار، أما الثانية فهي احتجاج على “منظومة” بات يُنظر إليها كوجه للامتياز والاحتكار وغياب العدالة.
وبحسب مصادر مطلعة، إذا استمرت “حملت المقاطعة” بنفس الزخم، فقد تتحول إلى خطر فعلي على سمعة العلامات التجارية للمجموعة، بما ينعكس على أسهمها وشركائها الماليين، ويؤثر بالتالي في التوازن السياسي الذي تستند إليه الحكومة نفسها.
في تجارب دولية، أطاحت حملات المقاطعة بوجوه سياسية واقتصادية نافذة. ففي فرنسا، كلفت حملة مقاطعة منتجات شركة “دانون” عام 2023 مديرها التنفيذي منصبه بعد تراجع المبيعات بأكثر من 20%. وفي الولايات المتحدة، أجبرت حملة “Stop Hate for Profit” عام 2020 شركات عملاقة على تغيير سياساتها بعد مقاطعة المعلنين لمنصة “فايسبوك”. أما في كوريا الجنوبية، فقد أدت حملة “No Japan” عام 2019 إلى انهيار مبيعات علامات تجارية يابانية خلال أسابيع، ما جعل السياسيين يتدخلون لتخفيف التوتر التجاري. تلك النماذج تؤكد أن المقاطعة، حين تتحول إلى فعل جماعي مستمر، تصبح أقوى من المعارضة التقليدية نفسها، لأنها تمسّ قلب السلطة المالية وتعيد صياغة ميزان القوة بين المواطن والمحتكر.
بالنسبة لعزيز أخنوش، لا يبدو أن حملة المقاطعة الجديدة مجرد ضجيج رقمي عابر، بل اختبار لمتانة إمبراطوريته الاقتصادية وقدرتها على الصمود أمام ضغط استهلاكي متنامٍ. فالرجل الذي افتتح ولايته بعبارة “إعادة تربية المنتقدين”، يجد نفسه اليوم أمام جيل لا يُربّى، ولا يقبل أن يُدار مستقبله من فوق. جيلٌ يرى أن الوقت قد حان لتحطيم رمزية “رئيس الحكومة الملياردير”، الذي يملك الشركات ويترأس “السلطة التنفيذية” في الوقت نفسه.
ومنذ اندلاع الاحتجاجات في أكثر من 23 مدينة، بدت حكومة أخنوش مترددة ومتأخرة عن نبض الشارع، مكتفية بتبريرات بيروقراطية وبلاغات باهتة. وبينما يطالب المحتجون بالكرامة والعدالة ومحاربة الفساد، اختار رئيس الحكومة الصمت، متوارياً خلف وزرائه، في وقت كان الرأي العام ينتظر منه كلمة توازي خطورة الموقف.
في هذا السياق، يرى الفاعل الحقوقي عبدالمطلب الكرايري أن “أخنوش لا يبدو فقط ضعيف التواصل، بل منفصلاً عن الواقع السياسي والاجتماعي، مشيرا الى أن “جيل Z لا ينتظر بلاغات رسمية، بل يريد رمزية قيادية حقيقية تُشعره بأنه يُسمع ويُحسب له حساب”.
لكنّ عمق الأزمة يتجاوز ضعف الخطاب إلى تضارب المصالح البنيوي الذي يلاحقه منذ توليه رئاسة الحكومة. فالرجل يترأس الحكومة ويملك في الوقت نفسه واحدة من أضخم المجموعات الاقتصادية في البلاد، وقد استفادت شركته من صفقات كبرى مثل مشروع محطة تحلية مياه الدار البيضاء وصفقة توريد الفيول بقيمة 2.4 مليار درهم، ما أثار موجة انتقادات واسعة اعتبرها رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، محمد الغلوسي، “تجسيدًا صارخًا لزواج المال بالسلطة”.
ويؤكد “الكرايري” أن “في الأنظمة الديمقراطية، يُطلب من المسؤول السياسي الذي يمتلك مصالح اقتصادية أن يختار بينهما، لأن الجمع بين الكرسيين يهدد المصلحة العامة، مشيرا الى أن “في المغرب تم التطبيع مع هذا الوضع حتى صار الخلط بين القرار العمومي والمصالح الخاصة أمراً اعتيادياً.”
بهذا المعنى، لا تبدو حملة المقاطعة الثانية مجرد احتجاج استهلاكي، بل مؤشرًا على فقدان الثقة في المؤسسات التقليدية، وتمرّدًا ناعمًا على نظام الامتيازات. وهي، وفق كثير من المراقبين، أخطر من المظاهرات نفسها، لأنها تضرب في العمق الاقتصادي وتفتح نقاشًا غير مسبوق حول شرعية الجمع بين الثروة والسلطة.
واليوم، يقف أخنوش في مواجهة اختبارٍ سياسي ورمزي نادر. فالمقاطعة الثانية قد تكون أكثر من أزمة ظرفية، وقد تتحول إلى محطة فاصلة في مساره السياسي، إذا ما استمرت واشتدت وطأتها. فالضربات التي توجهها المقاطعات نادراً ما تكون فورية، لكنها تراكم صورة ذهنية تآكلية تجعل من الصعب على السياسيين استعادة مصداقيتهم، خصوصا عندما يكونون في الوقت نفسه أصحاب مصالح اقتصادية واسعة.







