يقدّم الخبير في العلاقات الدولية والمتخصص في ملف الصحراء أحمد نور الدين قراءةً سياسية للقاء المغربي–الروسي الأخير، معتبرًا أنّ أهميته تنبع من سياقه المزدوج: اقتراب جلسة مجلس الأمن حول ملف الصحراء نهاية أكتوبر، والدعوة إلى قمة روسية–عربية في نونبر المقبل بعد تعذّر انعقادها منتصف أكتوبر.
وبرأي نور الدين، فإن اللقاء يندرج أيضًا ضمن مسارٍ ثابت من المشاورات منذ توقيع الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وموسكو سنة 2002 خلال زيارة الملك إلى روسيا، ثم زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى المغرب عام 2006، وتطوير الإطار إلى “شراكة استراتيجية معمّقة” سنة 2016 أثناء الزيارة الملكية الثانية إلى موسكو. ويذكّر الخبير بجذورٍ أقدم لهذه العلاقات تعود إلى 1777 على عهد الإمبراطورة كاترينا الثانية والسلطان محمد الثالث، مرورًا بالعهد السوفييتي حين ظلت موسكو شريكًا مفضّلًا للمغرب في مشاريع كبرى مثل المحطة الحرارية بجرادة عام 1969.
على مستوى الآليات، يوضح نور الدين أن الوزيرين سيرغي لافروف وناصر بوريطة وقّعا بروتوكول إحداث لجنة بين وزارتي الخارجية لترسيخ حوار سياسي منتظم وتقييم حصيلة الاتفاقيات القائمة لإعطاء دفعة جديدة للتعاون الثنائي. وتتزامن الخطوة مع انعقاد الدورة الثامنة للجنة الحكومية المشتركة للتعاون الاقتصادي والعلمي والتقني، وهي—بحسبه—لجنة فريدة في اسمها وتركيبتها لأنها تُبرز بوضوح البعد العلمي–التكنولوجي في ملفات التعاون: من الطاقة النووية إلى المعدات العسكرية والفضاء، علمًا أن أول قمر صناعي مغربي أُطلق عام 2001 بواسطة صاروخ روسي من محطة بايكونور.
سياسيًا، يشير نور الدين إلى أنّ طاولة النقاش شملت أربعة عناوين ثقيلة: أولًا، كيفية إنهاء نزاع الصحراء المغربية بشكل دائم؛ ثانيًا، أوضاع الساحل ودعم استقرار دوله في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة مع تحفيز التنمية؛ ثالثًا، قطاع غزة ومسار إقامة الدولة الفلسطينية بتنسيق مع جامعة الدول العربية؛ ورابعًا، الحرب في أوكرانيا، حيث سجّل لافروف شكره للموقف المغربي “المتوازن” الذي تجنّب إدانة روسيا في المحافل الأممية وداخل مجلس حقوق الإنسان، وفق قراءة الخبير.
وفي ما يخصّ تصريح لافروف حول الحكم الذاتي، يرى نور الدين أنّ وزير الخارجية الروسي اعتبر المقترح المغربي “أحد أشكال تقرير المصير”، مع استعداد موسكو لدعمه متى توافقت عليه الأطراف. وتزداد قيمة هذا الموقف—بحسب التحليل—مع تأكيد لافروف أن مبادئ الأمم المتحدة يجب أن تُفسَّر وتُطبَّق بشكل متكامل لا انتقائي، وهو ما يلتقي مع طرح الرباط الذي يستند إلى القرار 1514 في بُعديه: حق تقرير المصير من جهة، والحفاظ على الوحدة الترابية وسلامة الدول من جهة ثانية.
اقتصاديًا وتكنولوجيًا، يتحدّث نور الدين عن أفق واسع للتعاون: من الطاقة والغاز إلى التقنيات المتقدمة. ويعيد التذكير بمشاريع قيد النقاش تشمل—وفق تقديره—دعمًا روسيًا لخط أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب بتكلفة تناهز 25 مليار دولار، والحوار حول بناء محطات نووية وتحلية مياه البحر، وتطوير التعاون في الفضاء والأقمار الصناعية، فضلًا عن الشقين العسكري والفلاحي والصيد البحري. ويشير إلى أن اتفاقيات الصيد الروسية شملت السواحل المغربية بما فيها الأقاليم الجنوبية، في ما يعتبره “اعترافًا ضمنيًا وقانونيًا” بسيادة المغرب عليها.
ويخلص نور الدين إلى أنّ اللقاء حمل رسائل متوازنة: تثبيت قنوات الحوار السياسي المنتظم، وتوسيع قاعدة التعاون العلمي–التقني، وإشارات داعمة لمقاربة الحكم الذاتي ضمن مرجعية أممية شاملة. وفي خلفية المشهد، يظلّ توقيت نهاية أكتوبر على صلة مباشرة بإيقاع الملف في مجلس الأمن، فيما يُفترض أن تمنح القمة الروسية–العربية المقبلة بعدًا إقليميًا إضافيًا لهذه التفاهمات. وبين المسارين الأممي والإقليمي، يبدو أنّ الرباط وموسكو تراهنان على تفعيل ما راكمتاه من أطرٍ وشراكات، ونقلها من حيّز البيانات إلى ميادين الطاقة والفضاء والبنيات التحتية والأمن الإقليمي.
لقاء الرباط–موسكو.. أحمد نورالدين: رسائل في توقيت دقيق وملفات ثقيلة من الصحراء إلى الطاقة







