أخيرًا، وجد ملف التعليم طريقه إلى اهتمامات الأحزاب، لكن بطريقة لا تخلو من وقاحة سياسية من طرف بعض الوجوه.
اليوم نسمع قياديًا في حزب “البام” يؤكد أن عبء إصلاح التعليم العمومي لا تتحمله الحكومات، بل المغاربة أجمعين… كما لو كان الشعب هو من سرق، واختلس، وبدد مئات المليارات التي صُرفت في مشاريع فاشلة عن سبق إصرار، وصفقات فاسدة لم يتم الاقتراب منها ومن مهندسيها الكبار.
أحمد التويزي، الذي نال البراءة في الوقت الميت في ملف مرتبط بالمال العام، لم يكتفِ بذلك، بل تجاهل أن مهمة الحكومات هي إيجاد الحلول، لا صنع المزيد من الأزمات، أو صب الزيت على نارها.
الرجل قال، في رسالة لعشرات الآلاف من أبناء المغاربة الذين يعتبرون أنفسهم ضحايا لتسقيف سن مباريات التعليم: “نطحوا راسكم مع الحيط”، ودعا وزير التربية إلى عدم الخوف من الرأي العام، وعدم التراجع عن هذا القرار.
عبارة “ينطحو راسهم مع الحيط”، الصادرة عن رئيس فريق برلماني من الأغلبية الحكومية، تُلخص في الواقع العقلية التي يتم بها تدبير الشأن العام بالمغرب، ولهذا السبب التزمت الحكومة الصمت بعد أن توسعت الاحتجاجات في أكثر من مدينة.
وبعيدًا عن عنتريات التويزي، فإن حديث برادة عن مراجعة تسقيف السن في مباريات التعليم لا يعدو أن يكون تجاذبًا براغماتيًا لاستقطاب كتلة ناخبة مكونة من عشرات الآلاف من الشباب، لكنه يؤكد في المقابل قناعة أن التعليم العمومي لا يُراد له أن يستقر، وأن التعامل معه لا زال محكومًا بالكثير من الالتباس، إن لم نقل بسوء النية.
قطاع نُجدد التأكيد، مرة أخرى، على أنه لا تنمية، ولا إقلاع اقتصاديًا واجتماعيًا سيتحقق ما لم يتم العمل بسرعة وجدية على معالجته من الأعطاب المعروفة التي تنخره. أما نثر الوعود، ورصد المليارات التي تُبدد في غياب الحكامة، فلن يزيده إلا غرقًا في متاهته…
لقد سعت الدولة بكل ثقلها لفرض التعاقد في التعليم لتخفيف العبء المالي على الميزانية، رغم نتائجه الكارثية على القطاع. وعوض أن تعمل على توفير ضمانات لاستقرار المنظومة التعليمية بعد قلب الهرم الوظيفي، قررت إدخال التعليم من جديد إلى كراج “المدرسة الرائدة”، الذي تؤكد كل المؤشرات أنه سيصنع ثقوبًا جديدة في سفينة التعليم العمومي…
يحدث هذا طبعًا بعد أن تم التفريط في القيمة الاعتبارية والمجتمعية لرجال ونساء التعليم، لاعتبارات عدة، كما تم إغراق معظم النقابات في الريع والامتيازات، والتفرغات، وتجارة الملفات، والنتيجة أن هذا القطاع لم يعد يجد من يترافع عنه إلا في المواسم الانتخابية، كما يحصل اليوم.
اليوم، ومع رفع المحتجين شعار إصلاح الصحة والتعليم، كنا نتمنى أن نسمع من الحكومة ووزرائها ونواب أغلبيتها نفس الصراحة التي يتحدث بها والي بنك المغرب.
الجواهري سبق أن قال إن دور “الإطفائي” الذي تلعبه الدولة في مواجهة مشاكل المغرب البنيوية لم يعد مجديًا، وأن “الأشياء تتفاقم والمحيط الخارجي لا يرحم”، ولا بد من “إصلاحات حقيقية وتغيير جذري في العقليات على جميع المستويات”.
ذات الرجل، الذي خبر الكثير من الهزات العنيفة التي تعرضت لها خزينة البلاد، نبه قبل سنوات إلى ضرورة الانتقال إلى السرعة القصوى في تنزيل الإصلاحات الضرورية المطلوبة، ومنها ضرورة التصدي للفساد، وتقوية مناعة الاقتصاد، واسترجاع ثقة المغاربة، وأساسًا تثمين الرأسمال البشري من خلال الاستثمار في منظومة التعليم والصحة، وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي والحماية الاجتماعية، قبل أن نُفيق اليوم على وقع احتجاجات جيل زد…
هذا يعني أننا نسير ببطء شديد، إن لم نكن ندور في حلقة مفرغة، ونرجع خطوات إلى الوراء، أخذًا بعين الاعتبار الميزانيات الضخمة التي صُرفت في مشاريع إصلاح فاشلة استهلكت الزمن، وانتهت بنا أمام خصاص فادح في النظام الصحي، وتعليم عمومي معطوب، وهشاشة اقتصادية لشريحة كبيرة من الساكنة، وتوسع للقطاع غير المهيكل، وهشاشة للنسيج الإنتاجي.
الجواهري بعث بأكثر من رسالة حين قال إن البلاد في حاجة إلى جرعة قوية وجريئة من الإصلاحات، التي يجب أن تتجه بشكل مباشر إلى الأعطاب التي يتهرب الجميع من الاقتراب منها، مشددًا في ذات الوقت على ضرورة التحلي بالمصداقية في تنزيل الوعود.
المفارقة أن تحذيرات الجواهري جاءت بعد عدة تقارير رسمية ودولية دقت باب من يهمهم الأمر دون رد أو أدنى تفاعل.
ولهذا السبب بالذات قال الجواهري إن الاكتفاء بـ”إطفاء العافية” هنا وهناك، كما حدث على امتداد السنوات الماضية، لن يكون كافيًا، وإن زمن الترقيع، والرهان على ربح الوقت، وتنويم الاحتجاجات، قد انتهى…
لكن حكومة “نطحو راسكم مع الحيط” لم تلتقط الرسالة.
حكومة “نطح راسك مع الحيط”







