بعد سنوات من الانتظار والمرافعة حول إصلاح المدرسة العمومية، عاد الجدل ليحتدم من جديد حول مشروع القانون رقم 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي، الذي أحالته “حكومة عزيز أخنوش” على البرلمان في خطوة وُصفت بأنها أحادية وتفتقر إلى المنهجية التشاركية. فبينما تقول الحكومة إن النص يأتي لتفعيل مقتضيات القانون الإطار 51.17 وإعادة هيكلة منظومة التربية والتكوين، ترى النقابات والهيئات الحقوقية أن المشروع يخفي بين سطوره “منعطفاً خطيراً” نحو خصخصة المدرسة العمومية وضرب مجانية التعليم.
المشروع الذي يمتد على تسعة أبواب ويفوق مائة مادة، يقدم تصوراً جديداً لبنية التعليم المدرسي وتنظيمه وتمويله، وينص على إلزامية التعليم من سن الرابعة إلى السادسة عشرة، مع فرض غرامات مالية تتراوح بين ألفين وخمسة آلاف درهم على الأسر أو الجهات التي تخلّ بواجب تسجيل الأطفال أو متابعة دراستهم. كما يمنح الدولة والجماعات الترابية صلاحيات أوسع في تتبع التمدرس ومحاربة الهدر المدرسي، عبر لجان محلية وجهوية وآليات للرصد والدعم المالي المباشر للأسر المعوزة.
في المقابل، يثير المشروع انتقادات لاذعة بسبب غياب التنصيص الصريح على مجانية التعليم العمومي، واكتفائه بالحديث عن “تنويع مصادر التمويل” و“المدارس الشريكة” و“الشراكات بين القطاعين العام والخاص”، وهي عبارات يعتبرها الفاعلون التربويون بوابة لتفكيك المرفق العمومي وتكريس التفاوتات الاجتماعية والمجالية. كما يتيح النص إمكانية إحداث مدارس غير ربحية أو أجنبية تعمل في إطار دفاتر تحملات، ويمنحها امتيازات واسعة تصل إلى تلقي دعم مالي من الأكاديميات في بعض المناطق مقابل استقبال أبناء الأسر الفقيرة.
ويعيد المشروع رسم الخريطة المؤسسية للتعليم عبر إدراج المدارس الجماعاتية والمركبات التربوية والمدارس الشريكة ضمن المنظومة الرسمية، في محاولة لتوسيع العرض التربوي في القرى والمناطق النائية، غير أن منتقدين يرون في ذلك “خصخصة مقنّعة” تنقل أدوار الدولة إلى الفاعلين الخواص تحت غطاء الشراكة. كما ينص على إمكانية تفويض تدبير بعض المؤسسات العمومية أو جزء من خدماتها لجمعيات أو مقاولات تربوية، ما يثير مخاوف من تفويت المدرسة العمومية تدريجياً للقطاع الخاص.
أما على المستوى البيداغوجي، فيعد المشروع بوضع “هندسة بيداغوجية دامجة” تربط التعليم المدرسي بالتكوين المهني وتتيح انتقالات مرنة بين الأسلاك، مع اعتماد مقاربات حديثة للتعلم الذاتي والتعاوني وتشجيع الابتكار والمبادرة داخل القسم. غير أن الغموض الذي يلف آليات التنفيذ جعل مصادر مهنية تعتبر أن النص يكرر لغة الإصلاح دون ضمانات حقيقية، وأنه “يُجمّل” أزمة التعليم بدل معالجتها.
وفي الجانب المتعلق بالتربية الدامجة، انتقد المرصد المغربي للتربية الدامجة ما وصفه بـ“التراجع الخطير” عن المكتسبات التي نص عليها القانون الإطار، خاصة في المادة العاشرة التي تتحدث عن “العمل بصفة تدريجية لتعزيز التربية الدامجة بموجب اتفاقيات شراكة”. واعتبر المرصد أن هذا التدرج غير مبرر بعد مرور ثماني سنوات على اعتماد القانون الإطار، مطالباً بحذف العبارة وضمان فوري لحق الأطفال في وضعية إعاقة في تعليم منصف ودامج. كما لفت إلى غياب التنصيص على قاعات الموارد كخدمة عمومية أساسية، داعياً إلى إدراجها ضمن مكونات التعليم العمومي وتوسيع نطاق العقوبات لتشمل المؤسسات التي ترفض تسجيل المتعلمين في وضعية إعاقة.
ولم تسلم الحكومة من انتقادات النقابات التعليمية، وعلى رأسها النقابة الوطنية للتعليم التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، التي اعتبرت أن المشروع “ينسف” مبدأ الحوار الاجتماعي ويجسد “اختيارات نيوليبرالية” تتنافى مع شعار الدولة الاجتماعية. النقابة اتهمت الحكومة بمحاولة تمرير القانون “في سياق متوتر” دون نقاش عمومي، وحذرت من “تعميم الهشاشة” في التعليم الأولي والاستدراكي و“تحويل التعليم إلى سلعة خاضعة لمنطق السوق”.
ويذهب عدد من الخبراء التربويين إلى أن خطورة المشروع لا تكمن فقط في مواده القانونية، بل في الفلسفة التي توجهه. فهو – في نظرهم – يقيس نجاح التعليم بمعايير مالية وتدبيرية أكثر مما يقيسه بمستوى العدالة الاجتماعية أو تكافؤ الفرص. كما أنه يتحدث بإسهاب عن الحكامة والنجاعة، لكنه يتجاهل المعضلات الجوهرية المرتبطة بجودة التعلمات، وأوضاع الأطر التربوية، ومحدودية البنية التحتية في العالم القروي.
وبينما تراهن الحكومة على المشروع كإطار جديد لإصلاح المدرسة، يراه الفاعلون التربويون “منعطفاً خطيراً” يهدد روح التعليم العمومي ويضعف حضور الدولة في مجال كان دوماً أحد أعمدة المساواة الاجتماعية. ومع اتساع رقعة الرفض النقابي والحقوقي، يبدو أن مشروع القانون 59.21 يتجه نحو أن يكون أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في السنوات الأخيرة، بين رؤية حكومية تتحدث عن “إصلاح شامل” وواقع نقابي يرى في النص “مقدمة لتفكيك المدرسة العمومية”.







