لم يستطع الصحافي الإسباني المتخصص في شؤون المغرب العربي إغناسيو سمبريرو هضم “الانتصار الكبير” الذي حققه المغرب في أروقة مجلس الأمن، بعد القرار التاريخي باعتبار مقترح الحكم الذاتي أساسا واقعيا ووحيدا لأي مفاوضات في الملف.
الصحافي المعروف بمناوشاته للسلطات المغربية على أكثر من صعيد اعتبر أن القرار الأخير لمجلس الأمن بشأن الصحراء لم يكن مجرّد انتصار دبلوماسي عادي للمغرب، بل محطة ستنعكس – في تقديره – على باقي الملفات العالقة بين الرباط ومدريد، وفي مقدمتها الأجواء فوق الصحراء، والاعتراف الإسباني الكامل بمغربية الصحراء، وترسيم الحدود البحرية مع جزر الكناري، ثم في الأفق البعيد ملف سبتة ومليلية وباقي الجيوب المحتلة.
سمبريرو ينطلق، في مقاله الذي نشرته صحيفة الكونفيدونسيال” الإسبانية، من فكرة بسيطة هي أنه كلما رسّخ المغرب مكسبًا في ملف الصحراء، كلما شعر بأنه في موقع أقوى لطرح مطالبه الأخرى على إسبانيا. ويذكّر هنا بخطاب الملك محمد السادس بعد التصويت في الأمم المتحدة، حين تحدث عن “المغرب الموحّد من طنجة إلى لكويرة”، ويقرأه كإشارة إلى أن الرباط تعتبر معركة السيادة معركة متواصلة وليست مرتبطة بالصحراء فقط.
وحسب المقال، فإن الرباط تحتفظ اليوم بأربعة مطالب أساسية تجاه إسبانيا، أولها هو “تحويل مراقبة الأجواء فوق الصحراء من لاس بالماس إلى المغرب. فمنذ 1975 ما زالت شركة الملاحة الجوية الإسبانية ENAIRE تتحكم في هذا الحيز، والمغرب يريد أن تعود له إدارة هذا المجال الجوي”.
مدريد، عبر وزير خارجيتها ألباريس، تنفي وجود اتفاق، لكن سمبريرو يقول إن الصحافة المغربية تتناول الموضوع باستمرار، ما يعني أنه مطلب قائم.
أما المطلب الثاني حسب المقال فهو اعتراف إسبانيا الصريح بمغربية الصحراء. وفي هذا الصدد، يذكر سمبريرو بأن رسالة بيدرو سانشيز للملك محمد السادس في مارس 2022 كانت “تأييدًا لمبادرة الحكم الذاتي، لكنها لم تصل إلى مستوى اعتراف ترامب (دجنبر 2020) أو ما يصفه هو بـ”اعتراف ماكرون” في يوليوز 2024.
وفي رأيه، الرباط ستستعمل قرار مجلس الأمن الجديد للقول لمدريد: “إذا كانت الأمم المتحدة تتحدث عن الحكم الذاتي كحلّ أكثر واقعية، فلماذا تبقى إسبانيا في المنطقة الرمادية؟”.
الحدود البحرية مع الكناري، حسب سمبريرو، هي المطلب الثالث للمغرب، وهنا يذكّر الصحافي الإسباني بتشريعين مغربيين في 2020 مددَا المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وبأن هذا الامتداد يتقاطع مع ما تريد إسبانيا تسجيله في الأمم المتحدة، وبأن الموضوع يشمل حتى مياه الصحراء، التي سبق لمحكمة العدل الأوروبية أن قالت إنها ليست للرباط. وهو يعتبر أن المملكة المغربية تريد من مدريد تفاهمًا ثنائيا يقرّ ضمنيًا بسيادتها على تلك الواجهة.
أما المطلب الرابع والأخير فهو سبتة ومليلية والجيوب المحتلة، وفي هذا الصدد يقول سمبريرو إن المغرب لم يتخلّ عن هذا الملف، لكنه يشتغل عليه بطريقة “الخنق الهادئ”: تشديد العبور، إبطاء الحركة التجارية، عدم تشغيل الجمارك الجديدة بالشكل المتّفق عليه، السماح بعبور المهاجرين غير النظاميين نحو سبتة أكثر مما يسمح به نحو الأندلس أو الكناري… كل هذا – في رأيه – ضغط متدرج لإجبار مدريد، عاجلا أو آجلا، على فتح نقاش حول المستقبل.
والمثير في قراءة سمبريرو أنه يربط كل هذا بالقرار الإسباني في 2022 حين انحاز سانشيز للمبادرة المغربية: يومها، يقول الكاتب، اعتقد رئيس الحكومة أنه أنهى الأزمة مع الرباط وفتح صفحة هادئة، بل زاد في التقرّب حين قبل إدماج المغرب في ملف مونديال 2030 وترك للملك أن يعلن ذلك. لكن سمبريرو يخلص إلى أن هذه “الهدنة” لن تدوم، وأن الرباط ستعود للمطالب المؤجلة كلما أحست أن موقعها الدولي تحسّن، كما حصل الآن في مجلس الأمن.
ويستشهد كذلك بحادثة حديثة، حين استدعى زعيم الحزب الشعبي الإسباني وفدًا من البوليساريو إلى مؤتمر حزبه، جاءه – بحسب سمبريرو – أكثر من خطاب احتجاج من وزراء مغاربة، ثم أُغلقت الجمارك الرمزية لسبتة ومليلية لأكثر من شهرين، وهي رسالة يقول الكاتب إن على مدريد أن تقرأها جيدًا.
وفي المحصلة، يذكّر سمبريرو بأن المغرب “يجمع الانتصارات الدبلوماسية ويتلقى في المقابل ضربات قضائية في أوروبا” بخصوص الصحراء، وبالتالي فهو سيبحث عن تحويل القوة الدبلوماسية إلى اعترافات ثنائية، وإسبانيا على رأسها.
سمبريرو “يدس السم في العسل” ويحذر إسبانيا من أن “قرار الصحراء” سيقوّي يد الرباط في ملفات أخرى







