بعد قرابة سنة من التوصيات التي أصدرها المجلس الأعلى للحسابات بضرورة تسريع تحويل المؤسسات العمومية ذات الطابع التجاري والصناعي إلى شركات مساهمة، يبدو أن “حكومة أخنوش” دخلت فعلياً في سباق مع الزمن لتنزيل هذا التحول، في عملية توصف في الكواليس بأنها “هادئة ظاهرياً” لكنها تحمل في طياتها تحولاً عميقاً في فلسفة حضور الدولة داخل الاقتصاد الوطني.
فبين خطاب رسمي يتحدث عن “إصلاح هيكلي لتعزيز الحكامة وتحسين الأداء”، وتخوفات غير معلنة من انسحاب تدريجي للدولة من قطاعات استراتيجية، تتواصل عملية إعادة الهيكلة بوتيرة متسارعة، بعيداً عن النقاش العمومي والبرلماني المطلوب لمثل هذا التحول الجوهري.
مصادر مطلعة كشفت لـ “نيشان“، أن الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة باشرت، خلال الأشهر الأخيرة، سلسلة مشاورات داخلية ودراسات تقنية لتحويل مؤسسات حيوية إلى شركات مساهمة، من بينها المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، والمكتب الوطني للمطارات، والمكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية، والوكالة الوطنية للموانئ، على أن تلتحق بها مؤسسات أخرى في مرحلة لاحقة ضمن ما يوصف بـ”الخطة الهادئة لإعادة هيكلة القطاع العمومي”.
وكان المجلس الحكومي قد صادق في يونيو 2025 على مشروع القانون رقم 56.24، القاضي بتحويل المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن إلى شركة مساهمة، فيما تتحدث المصادر عن مشاريع مماثلة تهم صندوق التجهيز الجماعي، والمكتب الوطني للصيد البحري، والمختبر الرسمي للتحليلات والبحوث الكيميائية. كما تُدرس صيغ جديدة لإعادة تموقع مؤسسات كبرى مثل المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب ووكالة تهيئة بحيرة مارتشيكا، في أفق تحديد “النموذج المؤسساتي الأنسب” لكل منها.
ورغم التبريرات الحكومية التي تتحدث عن “تحسين الحكامة ومردودية المؤسسات العمومية”، إلا أن تقارير رسمية، في مقدمتها تقرير المجلس الأعلى للحسابات لعام 2023-2024، كانت قد رصدت بطئاً ملحوظاً في تنزيل الإصلاح، محذّرة من غياب خارطة طريق واضحة وجدول زمني دقيق، ومن اعتماد مقاربة تجزيئية تُركّز على الشكل القانوني أكثر مما تعالج جوهر الأزمة المرتبطة بضعف النجاعة والشفافية.
فالمجلس، الذي سبق أن دعا إلى تحسيس الوزارات الوصية وتحفيزها على تسريع إصدار مشاريع القوانين التحويلية، نبّه إلى أن عملية التحويل قد تتحول إلى غاية في حد ذاتها، بدل أن تكون وسيلة لإصلاح شامل. كما سجّل غياب التنسيق بين وزارة المالية، والوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة، وصندوق محمد السادس للاستثمار، في ما يخص تحديد قائمة المؤسسات ذات الأولوية في التحويل أو إعادة الهيكلة.
الأرقام التي قدمها المجلس الأعلى للحسابات لا تعكس تحوّلاً عميقاً بقدر ما تكشف عن جمود هيكلي؛ إذ لم تُنجز سوى أربع عمليات خوصصة منذ 2018 بعائدات بلغت 17 مليار درهم، وهو رقم متواضع بالنظر إلى حجم المحفظة العمومية التي تضم أكثر من 250 مؤسسة. أما خارطة طريق السياسة المساهماتية للدولة، التي تمت المصادقة عليها في مجلس وزاري في يونيو 2024، فما تزال في مراحلها الأولى رغم أهميتها المحورية في رسم معالم تدخل الدولة كمساهم استراتيجي بدل فاعل مباشر.
وفي خلفية هذا المشهد، ترى المصادر أن التحول الجاري نحو منطق الشركة المساهمة قد يكون بوابة لما يسمّونه “الخوصصة المقنّعة”، أي نقل تدريجي للمؤسسات العمومية من وصاية الدولة المباشرة إلى فضاء السوق، حيث الأولوية للأرباح لا للمنفعة العامة. فحين يتحول المكتب الوطني أو الوكالة العمومية إلى شركة، تصبح معايير الأداء محكومة بالنتائج المالية لا بالبعد الاجتماعي، وهو ما يثير مخاوف من تراجع المرفق العمومي لصالح المنطق التجاري.







