في لحظات الألم، يسقط كلُّ ما بنته الحكومة من أوهام حول “تحسين الخدمات” و“تجويد العرض الصحي”، وتنكشف البلاد على حقيقتها… بلا رتوش، بلا كاميرات، وبلا مواكب وزارية تُجيد الوقوف أمام العدسات أكثر مما تُجيد الوقوف أمام مسؤولياتها.
كنت أتصور أن سنوات من الوعود والإعلانات والزيارات الاستعراضية الأخيرة، كفيلة بأن تجعل زيارة مستشفى عمومي تجربة أقل قسوة، لكن ليلة أمس السبت كانت كفيلة بأن تذكّرني أن المغرب، كما قال الملك محمد السادس في خطاب العرش، يسير بسرعتين… لكنهما هنا سرعتان موجعتان حدّ السخرية.
جرّني “مغصٌ صفراوي” حاد إلى مستعجلات مولاي عبد الله بسلا. اسمه وحده يبعث على المفارقة “مستشفى يحمل الاسم نفسه للملعب الكبير للرباط، ذاك الصرح الذي يُلمّعه الإعلام الوطني كما الدولي كأيقونة مغربية بواجهة براقة وتجهيزات فندقية فاخرة، بينما “مولاي عبد الله” الآخر… يقف على مرمى حجر من العاصمة، متعبًا، هزيلًا، يجرّ أذيال العجز مثل مريضٍ أنهكته السنين. لا شيء يجمعهما سوى الاسم، وكأن البلاد قسّمت أبناءها إلى أبناء مدلّلين وأبناء منسيّين.
قبل سنوات، خضت تجربة في مستشفى سانية الرمل العمومي بتطوان، ولم تكن مثالية، لكنها كانت على الأقل قابلة للبلع. غير أن ليلة السبت كانت شيئًا آخر. وصلت إلى باب المستعجلات وكل ما أرجوه حقنة تُهدئ الألم الذي كان ينخرني. فوجئت بحارس أمن يشير إلى شباك في الداخل، ومنه إلى شباك في الخارج، ومنه إلى أداء واجب الفحص، ثم العودة لأخذ رقم الانتظار. سلسلة بيروقراطية تبخس حتى وجعك قيمته. لم أكن أعدّ الدقائق، كنت أعدّ الأنفاس. ومع ذلك، امتد الانتظار من الواحدة وربع بعد منتصف الليل حتى الثالثة صباحًا، فقط لأحظى بتلك “النظرة السريعة” للطبيبة المناوبة.
خرجت أبحث عن من يمنحني الحقنة. وجدت ممرضة شابة، لطيفة ومتعَبة، قالت لي وهي تبتسم بنبرة فيها أسف يفوق مهنيتها: “أنا غادية نقلب واش كاينة هاد الشوكة يلا عندك شي زهر”. تركتني أنتظر أمام مكتب في الباحة، وضعت فوقه وثائق وسجلات كما اتفق، إلى جانبه غرف مفتوحة فيها مرضى ممددون على الأسرة… وعادت وأنا أتفحص يديها هل تحمل شيئًا قبل أن تخاطبني: “عندك الزهر، هادي آخر حقنة بقات فالسطوك”. حينها تساءلت في نفسي “كيف آخر حقنة في “السطوك”، وأين كل تلك الصفقات بملايين الدراهم التي كنت قبل أيام قليلة أعد التقارير الصحفية عنها؟”.
أخذتني إلى غرفة صغيرة تشبه مخزنًا منزليًا صغيرا، اعطتني الحقنة وخرجت أعرج مثل معطوب حرب… وبين الدخول والخروج أدركت شيئًا واحدًا “ليس المرض هو ما يوجع، بل الإحساس بأنك مجرد رقم في منظومة لا ترى فيك سوى عبئًا إضافيًا.”
ولم تتوقف المفارقات عند هذا الحد. فقد أخبرني حارس الأمن – والعهدة على الراوي – بأن الطبيب المناوب في الليلة السابقة فحص 253 شخصًا في ساعة ونصف فقط. أي بمعدل أقل من 30 ثانية للمريض الواحد .253 فحصًا في ساعة ونصف… أي طبّ هذا؟.
هكذا وجدت نفسي أمام البلد نفسه، لكن بوجهين لا يلتقيان.. وجه نعرضه في كتالوجات الاستثمار وفي نشرات الأخبار الرياضية، ووجه نحجبه كلما سقط أحدنا فجأة في منتصف الليل. وجه يُسمّى “مولاي عبد الله” ويُقدَّم للعالم كأيقونة هندسية، ووجه يُسمّى “مولاي عبد الله” أيضًا لكنه أقرب إلى “السّبة” منه إلى المنشأة الصحية.
أي مولاي عبد الله نريد؟ أيهما يستحق أن نحمله كمرآة لنا أمام العالم؟ الأيقونة أم السّبة؟
ذلك السؤال وحده كافٍ ليكشف أن مشكلتنا ليست في قلة المال ولا في قلة الوعود، بل في قلة الإيمان بأن المواطن يستحق حياة لا تحتاج فيها الحقنة إلى “الزهر”.







