فضيحة “عطيني نعطيك” بين وزيري الصحة والتعليم على عهد حكومة أخنوش الثانية، اختلطت فيها رائحة المال والدواء والسياسة بتضارب المصالح.
لكن، وبعيدًا عن التبريرات الطفولية التي قدمها وزير الصحة أمام لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب، يجب أن نعلم الرجلين معًا… ونقصد هنا برادة والتهراوي دخلا للحكومة بعد التعديل كمُكلفين بمهمة لا غير.
الأمر ليس جديدًا، بل انفضح قبل طبخ تشكيلة الحكومة التي خرج منها كل من آيت الطالب، الذي أصبح والياً في “أعجوبة” لم يسبقه لها إلا أمزازي.
كما خرج السي شكيب بنموسى صاحب النموذج التنموي والمدرسة الرائدة، والذي أُريد له أن يرتاح في المندوبية السامية للتخطيط، وأن يرسل لنا أرقامًا وتقارير “باردة” وغير مزعجة كما كان يفعل الحليمي.
حزب الأحرار جعل انتزاع حقيبتي التعليم والصحة معركة قبل التعديل بوقت طويل، وجاء برجلين مغمورين ليجلسا في مقعد أوسع منهما. الأول كان مستخدمًا لدى زوجة رئيس الحكومة، والثاني… رجل أعمال بأنف حساس قادر على التقاط رائحة الصفقات من بعيد. ولهذا نعتبر أن انكشاف الوزيعة التي تمت في صفقات الدواء كافية لطرق باب الصفقات التي حصلت في التعليم بعشرات الملايير منذ مجيء السي برادة.
برادة، وكما فعل التهراوي مع صفقات إصلاح المستشفيات، حصل على ترخيص استثنائي من رئيس الحكومة لإجراء صفقة تفاوضية ضخمة.
الترخيص مهد الطريق لشخصين معروفين بالدار البيضاء للحصول على “همزة”، علمًا أن السي برادة قام قبل ذلك ومن خلال المفتش العام بإلغاء نفس الصفقة رغم استيفاء جميع المساطر والشروط القانونية، من أجل إعادة توجيهها على المقاس.
ليس ذلك فقط، بل قام برادة من خلال “ديناصور الوزارة” بالضغط على الأكاديميات من أجل إلغاء الصفقات الجماعية التي تم إبرامها دون تعليل.
كل ذلك من أجل خاطر اسمين حصلا على تسريب معطيات صفقة ضخمة، لكنها طارت منهما لتعود الوزارة وتقص جناح الصفقة، وتقدمها لهما بعد أن استخدم المفتش العام كل “التنوعير” الممكن بمساعدة مسؤولة كانت ضمن الفريق الذي جاء به شكيب بنموسى إلى الوزارة.
هذا “التنوعير” هو ما جعل مدير أكاديمية ينفجر في وجه الجميع، بمن فيهم المفتش العام والوزير، في اجتماع رسمي، باعثًا رسالة حول العبث الذي يجري في الصفقات…
رسالة مفادها: “ما تغرقوناش معاكم”.
السي برادة، الذي يدفن رأسه في الرمل تاركًا عشرات الآلاف من تلاميذ الرائدة دون مقررات، هو ذاته الذي دافع عن شركات نالت صفقات ضخمة دون أن تلتزم بالتسليم في الوقت المحدد، ودون أن تقوم الوزارة بفرض جزاءات مالية عليها. وإذا ظهر السبب بطل العجب.
برادة اكتفى بأن قال إن السفينة التي تعاقدت معها الشركات مرت من رأس الرجاء الصالح عوض قناة السويس، وأن هذا هو سبب التأخير… ياك نعاماس.
اليوم، من حقنا أن نشكك في جودة ومواصفات آلاف الحواسيب التي اقتنتها الوزارة في صفقة ضخمة، وأن نشكك أيضًا في باقي الصفقات المرتبطة بالعتاد، مادام الرجل الذي يتعين أن يطرد الشبهات هو المفتش العام، والذي يقوم بالتأشير على الصفقات بصفته ككاتب عام، دون أن يقدم لنا أي افتحاص، في تناقض خطير اهتدى إليه السي برادة كـ”قالب” يمكنه من فعل ما يشاء داخل الوزارة.
وحتى لا ننسى، فنحن هنا نتحدث عن قوضاض، الذي وصفته نقابة معصيد بعراب الصفقات الفاسدة، والذي تعامل بعين ميكة مع فضائح البرنامج الاستعجالي الذي انتهى بتبديد 3700 مليار، وهو الرجل الذي يسعى برادة قبل مغادرة الوزارة لتبليصه في منصب الكاتب العام، ليُحدث بذلك أكبر ثقب في سفينة التعليم.
اليوم، كل المعطيات تؤكد أن الطريقة التي تُدبر بها الصفقات داخل باب الرواح تهدد باستنساخ فضائح أخطر من ملف البرنامج الاستعجالي، بعد أن أصبح المفتش العام، الذي يحمل قبعة الكاتب العام بالنيابة، طرفًا مباشرًا في تبييض سمعة بعض الصفقات، وإلغاء أخرى أو توجيه مسارها، في ظل غياب أي افتحاص خارجي.
ما حصل في وزارة الصحة ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد، ما دمنا نتحدث عن وزير غارق في تضارب المصالح، لكنه يملك التحكم في مفاتيح صفقات المدرسة الرائدة التي ستكلف ميزانية الدولة مئات الملايير.
اليوم، هناك حديث متفاقم عن احتكار تستفيد منه شركة معروفة ظلت تغرف من عسل التعليم لسنوات.
كما يوجد حديث عن تفاهم مسبق بين شركتين نافذتين ظلتا لسنوات تحتكران معظم صفقات العتاد المدرسي، حيث يتم تقاسم السوق بينهما سنويًا في ظل منافسة وهمية، مع فرض شروط تقنية تقيّد ولوج منافسين جدد بفتوى من باب الرواح.
فمتى يتم اقتلاع مسامير “الميدة” داخل الوزارة… وعلى رأسهم عراب صفقات البرنامج الاستعجالي؟







