بمجرد الإعلان عن تشكيلة مكتبه السياسي الجديد، دخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مرحلة اضطراب داخلي غير مسبوقة، انتقلت بسرعة من احتقان صامت إلى نزيف استقالات أعاد طرح أسئلة جوهرية حول طريقة تدبير الحزب وحدود الديمقراطية الداخلية في عهد إدريس لشكر.
فما إن صادق المجلس الوطني، في دورته الأولى بعد المؤتمر الوطني الثاني عشر، على لائحة المكتب السياسي، حتى بدأت تتسرب مؤشرات الغضب من داخل البيت الاتحادي. لائحة وُصفت من طرف معارضين داخل الحزب بأنها كرّست منطق الإقصاء وإعادة توزيع المواقع وفق اعتبارات الولاء والقرب من مركز القرار، أكثر مما استحضرت التراكم التنظيمي والكفاءة السياسية.
وتؤكد المصادر أن الإطاحة بأسماء وازنة راكمت حضورا لسنوات، مقابل صعود وجوه جديدة، فجّرت إحساسا واسعا لدى عدد من القيادات بأن الحزب دخل مرحلة “إعادة هندسة” لا تشبه تاريخه ولا تقاليده.
هذا الاحتقان سرعان ما تُرجم إلى مواقف عملية، كان أولها إعلان محمد أبودرار، المنسق الجهوي للحزب بجهة كلميم وادنون، استقالته من مهامه التنظيمية ومن عضويته بالمجلس الوطني. خطوة وُصفت داخل الحزب بأنها كسر لحاجز الصمت، واعتُبرت مؤشرا على عمق الأزمة، خاصة أنها جاءت بعد غياب اسمه عن التشكيلة الجديدة للمكتب السياسي، وما رافق ذلك من حديث عن تهميش تمثيلية الجهة.
ولم تتوقف الارتدادات عند هذا الحد، إذ توالت قرارات انسحاب واستقالة من هياكل الحزب، همّت مقررين وأعضاء في المجلس الوطني وأطرا شابة، اختار بعضها إعلان القرار بشكل مباشر، فيما فضلت أخرى الانسحاب بهدوء في انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع. والقاسم المشترك بين هذه الخطوات، وفق مصادر اتحادية، هو الإحساس بتراجع منسوب الثقة في مسار التدبير، وتحول الأجهزة إلى واجهات شكلية تُصادق على قرارات جاهزة.
في موازاة ذلك، اتسع النقاش الداخلي ليشمل طبيعة التشكيلة الجديدة نفسها، خاصة مع بروز أسماء تجمعها صلات قرابة بقيادات بارزة، وفي مقدمتها الكاتب الأول، مقابل إبعاد وجوه إعلامية وتنظيمية معروفة. هذا المعطى غذّى اتهامات بتكريس “التوريث السياسي” داخل حزب طالما قدّم نفسه كمدرسة للنضال الديمقراطي، وأعاد إلى الأذهان موجات استقالة سابقة سبقت المؤتمر الوطني، وصلت في فترات معينة إلى مئات المغادرين، ورافقتها محاولات لتأسيس بدائل سياسية خارج الاتحاد.
في المقابل، دافع إدريس لشكر عن اختياراته، مؤكدا أن استكمال هياكل الحزب تم وفق القوانين الداخلية، وبروح التوفيق بين الاختلاف والتوافق، وبمعايير الكفاءة والتنوع. غير أن هذا الخطاب لم ينجح، إلى حدود الآن، في امتصاص غضب شريحة واسعة من الاتحاديين، الذين يرون أن ما جرى ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل تضييق طويل على الأصوات المنتقدة، وإفراغ تدريجي للمؤسسات من أدوارها الحقيقية.
ويأتي هذا الزلزال التنظيمي في ظرفية سياسية دقيقة، يستعد فيها الاتحاد الاشتراكي لاستحقاقات انتخابية مفصلية، وسط منافسة محتدمة وإعادة ترتيب للخريطة الحزبية. وهو ما يجعل، بحسب المصادر، نزيف الاستقالات، المعلنة منها والصامتة، أكثر من مجرد أزمة عابرة، بل امتحانا قاسيا لقدرة الحزب على ترميم بيته الداخلي واستعادة ثقة قواعده.
وبين من يعتبر ما حدث بمثابة “حسم تنظيمي” ضروري، ومن يراه بداية تفكك بطيء، تتساءل مصادر من داخل “حزب الوردة” عما إذا كان ما يجري مقدمة لإعادة بناء حقيقية، أم أن الاتحاد الاشتراكي يدفع، مرة أخرى، ثمن صراعاته الداخلية وطريقة تدبير قيادته، التي يستمر إدريس لشكر في تولي زمام دفتها لولاية رابعة أثارت جدلا واسعا.







