في كل مرة تعلن فيها وزارة التجهيز والماء عن ارتفاع نسب ملء السدود عقب التساقطات المطرية، يعود الخطاب المطمئن إلى الواجهة، حاملا أرقاما توحي بانفراج وشيك لأزمة الماء. غير أن معطيات تقنية ورقابية متطابقة تكشف أن هذه النسب، على أهميتها، لا تعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للمياه القابلة للتعبئة، بسبب معضلة مزمنة ظلت لسنوات في الهامش” توحل السدود واستنزافها الصامت لقدرتها التخزينية الفعلية”.
مصادر مهنية في قطاع الماء أكدت في حديث مع نيشان، أن عددا مهما من السدود المغربية يشتغل اليوم بسعة أقل بكثير من تلك المعتمدة رسميا، بفعل تراكم الأوحال والرسوبيات عبر عقود من الاستغلال، في غياب برامج منتظمة وشاملة لإعادة التأهيل والتنظيف.
وتوضح هذه المصادر أن نسب الملء المعلنة تُحتسب في الغالب انطلاقا من السعة الأصلية للسدود عند إنجازها، دون خصم ما فُقد منها بسبب التوحل، وهو ما يجعل هذه المؤشرات “محاسباتية أكثر منها واقعية”.
وتشير التقديرات إلى أن المغرب يفقد سنويا ما بين 50 و75 مليون متر مكعب من قدرته التخزينية بسبب التوحل، أي ما يعادل سعة سد متوسط، فيما تتجاوز الخسائر التراكمية خلال عقد واحد مئات الملايين من الأمتار المكعبة. ورغم خطورة هذه الأرقام، فإنها نادرا ما تُستحضر عند تقديم الحصيلة المائية الرسمية، التي تركز أساسا على حجم الواردات ونسب الملء الظرفية.
وكان المجلس الأعلى للحسابات قد دق ناقوس الخطر في تقارير سابقة، عندما كشف أن الأوحال تحتل أزيد من 12 في المائة من السعة الإجمالية للسدود المغربية، محذرا من “شيخوخة مبكرة” لهذه المنشآت الاستراتيجية بسبب ضعف الصيانة وغياب رؤية استباقية. وسجلت تقارير المجلس أن بعض السدود فقدت جزءا مهما من وظيفتها التخزينية، دون أن ينعكس ذلك على طريقة احتساب المخزون الوطني، ما يطرح إشكالا حقيقيا في دقة المعطيات المعتمدة في التخطيط المائي.
في المقابل، تقر وزارة التجهيز والماء بأن التوحل يمثل أحد الإكراهات الكبرى التي تواجه تدبير الموارد المائية، وتؤكد اعتمادها على مقاربة تقنية تشمل دراسات سبر الأعماق، وتشجير الأحواض العليا، وإنجاز عتبات للترسيب، إضافة إلى تعلية بعض السدود الكبرى. غير أن فاعلين في القطاع يعتبرون أن هذه التدخلات، رغم ضرورتها، تظل محدودة الأثر أمام حجم المشكل، خاصة أن عمليات إزالة الأوحال تبقى استثنائية ونادرة بسبب كلفتها المرتفعة، التي قد تصل إلى نحو 70 درهما للمتر المكعب الواحد، ما يجعل تعميمها خيارا شبه مستحيل في ظل الإكراهات المالية.
ويرى مهنيون أن التعويل المتواصل على بناء سدود جديدة أو تعلية القائم منها، دون معالجة جذرية لمصادر التوحل في الأحواض العليا، يراكم الأزمة بدل حلها. فضعف الغطاء الغابوي، والاستغلال غير المنظم للمنحدرات، وتوسع الأنشطة الفلاحية في مناطق هشة، كلها عوامل تسرّع انجراف التربة نحو الحقينات، وتحوّل كل موسم مطري قوي إلى مصدر جديد للأوحال بدل أن يكون رافعة مستدامة لتعزيز المخزون
.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى مشاريع التعاون الدولي، من قبيل المشروع المغربي الياباني لتدبير الترسبات، باعتبارها خطوات إيجابية لكنها تظل ذات طابع محدود، بالنظر إلى عدد السدود المعنية وحجم الخسائر السنوية. فالمشكل، بحسب متتبعين، لم يعد تقنيا فقط، بل يرتبط أيضا بالحكامة، وبغياب نظام وطني محيّن وشفاف يُمكّن من تتبع تطور الأوحال داخل كل سد، وربط نسب الملء المعلنة بالقدرة التخزينية الفعلية.
أمام هذه المعطيات، يتضح أن النقاش الحقيقي لا يجب أن ينحصر في الارتفاع الظرفي لنسب الملء، بل في ما إذا كانت هذه النسب تعكس فعلا الوضع المائي الحقيقي للبلاد. فبين خطاب رسمي يراهن على الأرقام المطمئنة، ووقائع تقنية تكشفها تقارير الرقابة والخبراء، تبرز فجوة مقلقة قد تُربك التخطيط المائي، إذا لم تُواجه بسياسة واضحة تعترف بالمشكل وتضع معالجته في صلب أولويات الأمن المائي الوطني.







