رغم الفوز في مباراة الافتتاح، فإن أداء المنتخب الوطني المغربي كشف عن إشكالات بنيوية حقيقية لا يمكن تجاهلها إذا كان الهدف هو المنافسة الجدية على لقب كأس أمم إفريقيا، وليس الاكتفاء بالنتائج الظرفية. القراءة المتأنية للمباراة تُظهر أن المشكل لا يرتبط بالإمكانات الفردية، بل بطريقة توظيفها، وبالانضباط التكتيكي والذهني داخل المجموعة.
حكيمي ومزراوي.. “جمود تكتيكي” يحد من الفعالية
في خضم الجدل القائم حول اختيارات وليد الركراكي، تتجلى إشكالية أعمق من مجرد أسماء أو تمركزات، وتتعلق أساسًا بغياب الجرأة التكتيكية في استثمار الإمكانيات الفردية العالية التي يتوفر عليها المنتخب، وعلى رأسها أشرف حكيمي ونصير مزراوي. فالإشكال لا يكمن في قدرات اللاعبين، بل في الكيفية التي يُوظَّفون بها داخل منظومة جامدة تكاد لا تتغير.
من الناحية النظرية، كان بالإمكان معالجة جزء كبير من الاختلالات الدفاعية والهجومية التي يعاني منها المنتخب عبر اعتماد مبدأ تبادل الأدوار بين حكيمي ومزراوي، على غرار ما يشتغل به مدربوهما في باريس سان جرمان ومانشستر يونايتد. ففي الناديين، يُستفاد من تعدد وظائف الظهيرين، سواء في التحول إلى أجنحة هجومية، أو في التمركز داخل العمق أثناء الاستحواذ، مع توفير تغطية ذكية عبر لاعبي الارتكاز.
غير أن الركراكي لا يسلك هذا المسار، بل يصرّ على خطة واحدة شبه ثابتة، تُقيد حكيمي في أدوار محددة، وتُجبر مزراوي على لعب أدوار لا تستثمر كامل مؤهلاته التقنية والتموضعية. ففي باريس سان جرمان، يُمنح حكيمي حرية هجومية واسعة، ويُوظف أحيانًا كجناح إضافي في الثلث الأخير، مع تأمين المساحات خلفه بلاعب ارتكاز أو قلب دفاع متحرك. وفي مانشستر يونايتد، يُستخدم مزراوي بمرونة أكبر، سواء كظهير تقليدي، أو كلاعب يميل إلى العمق للمساهمة في البناء وصناعة التفوق العددي.
في المقابل، يتحول الحرص على نفس التوجه لدى الركراكي إلى خوف تكتيكي يُفرغ الحلول الهجومية من فعاليتها، ويمنع المغامرة المحسوبة التي تفرضها طبيعة اللاعبين المتوفرين. فالاستقرار على خطة واحدة، دون اختبار بدائل أو سيناريوهات تكتيكية مختلفة، يحرم المنتخب من الاستفادة القصوى من لاعبين يُعدّون من بين الأفضل في مراكزهم على الصعيد الأوروبي.
وعليه، فإن الإشكال لا يتعلق بندرة الحلول، بل بغياب الجرأة على تفعيلها. فلو تجرأ الركراكي على الاقتراب أكثر من فلسفة توظيف حكيمي ومزراوي في أنديتهما، واعتمد مرونة أكبر في التحولات الدفاعية والهجومية، لكان بإمكانه معالجة جزء معتبر من الإرباك الذي يطبع أداء المنتخب، خصوصًا أمام الخصوم الذين يجيدون استغلال المساحات والضغط العالي.
خط دفاعي مرتبك.. واختيارات تطرح أكثر من علامة استفهام
الخط الخلفي كان الحلقة الأضعف ذهنيًا، وليس تقنيًا فقط.
المناداة على لاعب غير جاهز بدنيًا طرحت سؤالًا مشروعًا: هل تم اختياره لخبرته داخل المجموعة؟ أم كخطوة رمزية في أفق “الوداع” أكثر من كونه عنصرًا قادرًا على العطاء داخل الملعب؟
كرة القدم الحديثة، خصوصًا في البطولات الكبرى، لا ترحم الأسماء ولا التاريخ. الجاهزية البدنية والذهنية يجب أن تكون المعيار الوحيد.
أما مع دخول جواد الياميق، فقد بدا واضحًا أن التدخلات افتقدت للتوقيت والدقة، سواء في الالتحام أو في قراءة مسار الكرة، ما يعكس غياب الانسجام الدفاعي، وربما نقص الثقة أو ضعف التحضير.
سفيان أمرابط.. حين يتحول الحماس إلى عبء
أحد أخطر الإشكالات التي برزت بوضوح هو سلوك سفيان أمرابط داخل الملعب.
اللاعب يملك شخصية قتالية مطلوبة في وسط الميدان، لكن ما حصل تجاوز حدود الاندفاع المشروع إلى تهور تكتيكي.
مخالفة قوية، بطاقة صفراء، ثم إعادة نفس السلوك بعدها بدقائق قليلة، لولا تساهل الحكم، كانت ستكلف المنتخب نقصًا عدديًا مبكرًا.
وهنا يجب طرح السؤال بوضوح:
نحن نلعب كرة قدم، لا مباراة مصارعة.
وسط الميدان هو عقل الفريق، وليس ساحة لتصفية الحسابات البدنية. وأي مدرب طموح مطالب بـفرض الانضباط التكتيكي والنفسي دون تمييز.
نايف أكرد.. الثقة أم الغرور؟
نايف أكرد مدافع كبير بلا شك، لكن ما ظهر في هذه المباراة يوحي بأن التركيز الذهني لم يكن في المستوى المطلوب.
بعض التدخلات اتسمت بالمجازفة، والثقة الزائدة، وكأن اللاعب يلعب بعقلية “المدافع الذي لا يُمس”.
وهنا يبرز سؤال حساس لكنه مشروع:
هل التصريحات المتكررة للمدرب وليد الركراكي في الندوات الصحفية، حين يصفه بـ“الركيزة الأساسية” و“المدافع الذي لا بديل له”، ساهمت – دون قصد – في خلق حالة من الاطمئنان المفرط؟
في البطولات الكبرى، المدرب مطالب بالموازنة بين الدعم والتحفيز، وعدم صناعة مناطق راحة ذهنية لأي لاعب مهما كان اسمه.
مفارقة الهجوم.. لاعبون يملكون الحلول دون منظومة تستثمرها
الأمر اللافت أن المنتخب يتوفر على لاعبين متخصصين في الاختراق الفردي وكسر الخطوط، من طينة: عبد الصمد الزلزولي، إلياس أخوماش، إلياس بنصغير.. وهم لاعبون يتميزون بالمراوغة في المساحات الضيقة، والتفوق في الوضعيات الفردية (1 ضد 1)، وهي مفاتيح أساسية أمام الدفاعات المتكتلة.
غير أن الإشكال يكمن في أن هذه النوعية من اللاعبين لا تُدمج داخل منظومة جماعية واضحة، تجعل مراوغاتهم وسيلة لا غاية.
غياب التحركات المرافقة، وعدم خلق مساحات مسبقة داخل العمق، جعل الاختراقات – حين حصلت – معزولة، دون دعم كافٍ من لاعبي الوسط أو تمركز ذكي داخل منطقة الجزاء.
بمعنى آخر: الموهبة موجودة، لكن السياق التكتيكي لا يخدمها.
اختراق العمق.. حضور نظري وغياب عملي
اعتمد المنتخب في بناء الهجمات على محور وسط ميدان مكون من لاعبين قادرين على التمرير بين الخطوط، مع محاولة استغلال تحركات إبراهيم دياز بين الخطوط، وصعود لاعبي الوسط لدعم الهجوم. غير أن الكتلة الدفاعية المنخفضة لجزر القمر، مع تضييق المساحات بين الخطوط، جعلت الاختراق من العمق مهمة شبه مستحيلة خلال الشوط الأول.
غياب التحركات دون كرة، وعدم قيام المهاجمين بسحب المدافعين وخلق المساحات، أدى إلى تحويل اللعب في العمق إلى تمريرات أفقية أكثر منها عمودية، ما أفقد الهجوم عنصر المفاجأة والسرعة. كما أن قلة التسديد من خارج منطقة الجزاء سهّلت مهمة الدفاع القمري في الحفاظ على توازنه.
خلاصة نقدية
المشكل الحالي للمنتخب المغربي ليس في الأسماء ولا في الموهبة، بل في:
– ضعف توظيف لاعبي الاختراق داخل منظومة جماعية
– اختيارات دفاعية غير مبنية على الجاهزية الكاملة
– غياب الحزم في الانضباط السلوكي داخل الملعب
– غياب التسديد من خارج المنطقة كحل بديل
– ضعف التحركات بدون كرة لخلق المساحات
إذا لم يُراجع وليد الركراكي هذه النقاط بجرأة، ويضرب بيد من حديد حيث يجب، فإن المنتخب قد يجد نفسه أمام نفس السيناريوهات التي أسقطت منتخبات كبيرة في نسخ سابقة: سيطرة دون نجاعة، وأخطاء ذهنية تُكلف الإقصاء.
الفوز يمنح الوقت، لكنه لا يخفي الحقيقة. والحقيقة تقول إن الطريق نحو اللقب يمر أولًا عبر التصحيح، لا عبر المجاملة.







