بعد موجة الرفض التي عبّرت عنها هيئات المحامين، وبعد البلاغات المتتالية التي طعنت في الصيغة المحالة من طرف الحكومة، يتضح أن مشروع القانون رقم 66-23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة يتجاوز منطق التحيين التقني ليؤسس لتحول عميق في بنية المهنة، من حيث شروط الولوج، ومسار التكوين، وحدود الممارسة، والعلاقة مع القضاء، وطبيعة المسؤولية التأديبية.
المشروع المثير للجدل، الذي اطّلع موقع “نيشان” على مضامينه، يقترح إعادة ترتيب شاملة لمجال ظل لعقود محكومًا بتوازن دقيق بين الاستقلال والتنظيم، وهو ما يفسر حجم التحفظات التي أثارها داخل الجسم المهني.
أولى نقاط التحول تتعلق بالولوج إلى المهنة، حيث يعتمد المشروع نظام المباراة بدل الامتحان، ويشترط الحصول على شهادة الماستر كشرط مسبق للترشح. هذا الشرط يُقصي عمليا فئات واسعة من خريجي الإجازة، الذين شكّلوا تاريخياً خزّان المهنة البشري، ويحوّل الولوج إلى مسار انتقائي ضيق عوض أن يكون مساراً مفتوحًا بضوابط مهنية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يُحدث النص مساراً تكوينيا طويلاً يمتد لأكثر من ثلاث سنوات، يبدأ بسنة تكوين أساسي بمعهد خاص، يليه تمرين مهني لمدة 24 شهراً، منها 20 شهراً داخل مكتب محام يُعيّنه النقيب، وأربعة أشهر داخل إدارة أو مؤسسة عمومية، ثم امتحان جديد لنيل شهادة الكفاءة. هذا التعقيد الزمني والمؤسساتي، في نظر معارضيه، يثقل كاهل المترشحين دون تقديم ضمانات واضحة حول معايير الانتقاء، أو جودة التكوين، أو كلفته، أو تكافؤ الفرص داخله.
ويُدخل المشروع إلزامية التكوين المستمر لجميع المحامين الممارسين، ويجعل الإخلال به إخلالاً مهنياً قابلاً للجزاء، دون تحديد دقيق لطبيعة هذا التكوين أو الجهة التي تسهر عليه أو معايير تقييمه، ما يفتح الباب أمام استعماله كآلية ضبط أكثر منه كأداة تطوير مهني.
وعلى مستوى ممارسة المهنة، يسمح المشروع بإبرام عقود تعاون مع محامين أجانب أو شركات مهنية أجنبية، وينظم ولوج المحامين الأجانب إلى السوق الوطنية، في سياق يخشى فيه المهنيون من منافسة غير متكافئة داخل سوق قانونية محدودة أصلاً، وفي غياب ضمانات واضحة لحماية المحامين المحليين أو تنظيم هذا الانفتاح بشكل تدريجي ومتوازن.
وفي العلاقة مع الموكل، يُدخل المشروع إلزامية التكليف المكتوب المسبق، وتحديد بياناته بما فيها كيفية أداء الأتعاب، وهو مقتضى يُنظر إليه باعتباره تنظيماً شكلياً قد يتحول في الممارسة اليومية إلى عبء إضافي، خاصة في القضايا الاستعجالية أو الاجتماعية التي لا تسمح بطقوس تعاقدية صارمة.
أكثر المواد إثارة للاعتراض هي تلك التي تمنع تنظيم الوقفات الاحتجاجية ورفع الشعارات داخل المحاكم أثناء انعقاد الجلسات. هذا المنع، وإن صيغ باسم حماية السير العادي للجلسات، فُهم داخل الهيئات المهنية باعتباره تقييداً مباشراً لحق التعبير داخل الفضاء الطبيعي للمهنة، وضرباً لجزء من تقاليد النضال المهني التي ارتبطت تاريخياً بالدفاع عن استقلالية المحاماة.
وفي ما يخص حصانة الدفاع، ينص المشروع على إشعار النقيب في حالة اعتقال محام بسبب مرتبط بالمهنة، لكنه يفتح استثناءً واسعاً في حالة “تعذر الإشعار لأي سبب”، وهو ما يجعل هذا الضمان رهينا بتقدير السلطة التي تقوم بالاعتقال نفسها، ويفرغه جزئيا من وظيفته الحمائية.
أما في الشق التأديبي، فيُدخل المشروع تعديلات توسّع من حضور النيابة العامة داخل المسطرة التأديبية، وتمنحها حق الطعن في قرارات الحفظ، كما يُحدث بطاقة مهنية تُسجل فيها العقوبات وتُضم إلى الملف المهني للمحامي، بما يجعل أثر المتابعة دائماً وملازماً لمساره، حتى بعد تنفيذ العقوبة أو انتهاء سببها، وهو ما يُنظر إليه كتحول من منطق التأديب إلى منطق التتبع طويل الأمد.
ويُحدث المشروع أيضاً مجلس هيئات المحامين باعتباره الممثل الوحيد أمام السلطات المركزية، وهو ما أثار نقاشا واسعا حول مركزية القرار داخل جهاز واحد، واحتمال إضعاف استقلالية الهيئات الجهوية وتعدديتها.
وتؤكد المصادر المهنية، أن الخلاف حول مشروع قانون المحاماة لم يعد خلافاً تقنياً حول مواد متفرقة، بل خلافاً حول فلسفة النص نفسها، بين تصور رسمي يميل إلى الضبط والمركزة وإعادة ترتيب المهنة من أعلى، وتصور مهني يرى في ذلك مساسا بتوازن تاريخي يجعل من المحاماة سلطة مستقلة داخل منظومة العدالة لا مجرد مهنة خاضعة لمنطق الإدارة.







