لم يعد استيراد التبن من البرازيل مجرد خبر اقتصادي عابر أو إجراء ظرفي فرضته سنوات الجفاف، بل تحوّل إلى مؤشر صارخ على انهيار السردية الرسمية التي رافقت “مخطط المغرب الأخضر” منذ إطلاقه سنة 2008، وعلى الفجوة العميقة بين الخطاب السياسي حول “السيادة الغذائية” والواقع الفلاحي الذي انتهى، في إحدى أكثر مفارقاته غرابة، إلى استيراد علف الماشية من وراء المحيط الأطلسي.
المغرب الذي ضخّ، وفق معطيات رسمية، ما يفوق 120 مليار درهم في القطاع الفلاحي خلال خمسة عشر عاماً، يجد نفسه اليوم عاجزاً عن توفير مادة أساسية لتغذية قطيعه الحيواني، بعدما تقلّصت المساحات المخصصة للأعلاف، وانهارت قدرته على إنتاج التبن محلياً، في مقابل التوسع المكثف في الزراعات التصديرية المستنزفة للماء والموجهة أساساً إلى الأسواق الأوروبية.
وفق مصادر مهنية في قطاع تربية المواشي، ارتفع سعر التبن في السوق المغربية خلال السنتين الأخيرتين بنسبة تتراوح بين 70 و100 في المائة في بعض الجهات، ما جعل تكلفة تغذية الرأس الواحد من الماشية تتضاعف تقريباً مقارنة بما كانت عليه قبل خمس سنوات. هذه الزيادة لم تكن نتيجة الجفاف وحده، بل ثمرة تراكمات سياسية وفلاحية بدأت مع إعادة توجيه الاستثمار العمومي نحو الضيعات الكبرى، وتهميش الزراعات العلفية، وتقليص الدعم المباشر للفلاح الصغير، الذي ظل لعقود يشكل صمام أمان منظومة الإنتاج الغذائي.
في هذا السياق، أعلنت السلطات البرازيلية فتح السوق المغربية أمام تصدير التبن بعد مفاوضات تقنية وصحية، في إطار استراتيجية برازيلية توسعية نجحت منذ 2023 في فتح أزيد من 500 سوق جديدة لمنتجاتها الفلاحية عبر العالم. البرازيل التي تنتج سنوياً عشرات ملايين الأطنان من الأعلاف بفضل وفرة المياه واتساع الأراضي الزراعية ونظام دعم صارم للبحث والإنتاج، تستثمر فائضها لتصدير منتجات منخفضة التكلفة، بينما يستوردها المغرب بأثمان مرتفعة بعد إضافة كلفة الشحن البحري والتأمين والوساطة.
المفارقة أن هذا التحول يحدث في عهد نفس المسؤول السياسي الذي أشرف على هندسة “مخطط المغرب الأخضر” عندما كان وزيراً للفلاحة، ثم انتقل إلى رئاسة الحكومة دون مراجعة جوهرية لهذا النموذج، ودون مساءلة نتائجه على مستوى الأمن الغذائي والتوازنات الاجتماعية في العالم القروي. النموذج الذي وعد برفع دخل الفلاحين وتحقيق الاكتفاء الذاتي، انتهى عمليا إلى تكريس فلاحة بسرعتين: فلاحة تصديرية مربحة للأقلية، وفلاحة داخلية هشة للأغلبية، عاجزة عن الصمود أمام تقلبات المناخ وارتفاع التكاليف.
وتشير مصادر في الغرف الفلاحية إلى أن عدد مربي الماشية الذين اضطروا إلى تقليص قطعانهم أو الخروج نهائياً من النشاط ارتفع بشكل مقلق خلال السنوات الثلاث الأخيرة، خصوصاً في مناطق الأطلس المتوسط والشرق والجنوب الشرقي، حيث تحولت تربية الماشية من مورد عيش إلى عبء اقتصادي ثقيل. هذا النزيف الصامت لا يظهر في المؤشرات الرسمية، لكنه يظهر في الأسواق الأسبوعية، وفي هجرة الفلاحين الصغار، وفي ارتفاع الاعتماد على الاستيراد لتعويض ما لم يعد ينتج محليا.
استيراد التبن من البرازيل، بهذا المعنى، ليس فقط اعترافاً ضمنياً بفشل سياسة الأعلاف، بل اعتراف بفشل تصور كامل للفلاحة، اختزلها في أرقام الصادرات ونسب النمو، وتجاهل وظيفتها الأساسية كضامن للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. وهو أيضاً ترحيل جديد لكلفة الاختيارات الخاطئة إلى المستهلك المغربي وإلى المالية العمومية، بدل تحميلها لمن صاغ تلك الاختيارات وروّج لها كقصة نجاح.
هكذا، يصبح التبن البرازيلي أكثر من مجرد شحنة علف، بل رمزاً لمسار سياسي واقتصادي حوّل بلداً فلاحياً إلى زبون في سوق الأعلاف العالمية، وربط أمنه الغذائي بقرارات موانئ بعيدة وأسعار نقل دولية وتقلبات أسواق لا يملك السيطرة عليها. وهو مسار لا يبدو أن الحكومة الحالية مستعدة لمراجعته، بقدر ما تكتفي بتدبير نتائجه، ولو على حساب فكرة السيادة التي ترفعها في الخطاب وتفرغها في الواقع من مضمونها.







