بعد مصادقة لجنة الداخلية بمجلس النواب، خرج مشروع قانون إحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان من مربع النقاش التقني إلى خانة التحول المؤسساتي الكبير، الذي يعيد رسم خريطة تدبير التعمير والسكنى بالمغرب، ويضع حدا لنموذج الوكالات الحضرية كما اشتغل لأزيد من أربعة عقود.
المشروع، الذي حمل رقم 64.23، لا يكتفي بتغيير التسميات أو تقليص عدد المؤسسات من 30 وكالة حضرية إلى 12 وكالة جهوية، بل يؤسس لمنطق جديد في التخطيط العمراني، يقوم على الجهة كوحدة مرجعية في اتخاذ القرار، وعلى تجميع اختصاصات ظلت مشتتة بين مؤسسات متعددة، غالبا ما اشتغلت بمنطق إداري بطيء ومجال ترابي محدود.
وبحسب الصيغة المصادق عليها، ستُحدث وكالة جهوية للتعمير والإسكان بكل جهة، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، ويطابق مجال تدخلها النفوذ الترابي للجهة، مع تحديد مقرها بعاصمة الجهة، وفتح الباب لإحداث تمثيليات إقليمية أو عمالاتية بقرار من مجلس الإدارة. وهو خيار يعكس، بحسب الحكومة، الرغبة في الانتقال من “تعمير التدبير اليومي” إلى “تعمير الرؤية المندمجة”.
هذا التحول لم يأت من فراغ، بل جاء بعد تراكم تقارير رسمية، أبرزها تقارير المجلس الأعلى للحسابات، التي وقفت على اختلالات بنيوية في أداء الوكالات الحضرية، من بينها تعقيد المساطر، وتعدد المتدخلين، وضعف التنسيق، وصعوبة الولوج إلى المعلومة، إضافة إلى محدودية النفوذ الترابي الذي جعل التخطيط الحضري في كثير من الحالات منفصلا عن الديناميات الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية للمجالات.
ويمنح القانون الجديد الوكالات الجهوية دورا يتجاوز إعداد وثائق التعمير وإبداء الرأي في رخص البناء، إلى الإسهام المباشر في صياغة وتنفيذ الاستراتيجيات الجهوية للتنمية، ورصد التحولات المجالية، ومواكبة الاستثمار، وتعبئة العقار، وتتبع برامج السكن ومحاربة السكن غير اللائق. وهي مهام تضع هذه الوكالات في موقع تقاطع حساس بين الدولة والجهة والجماعات الترابية والمستثمرين.
كما يراهن المشروع على إدماج البعد القروي بشكل صريح، من خلال إحداث أقطاب خاصة بالعالم القروي داخل الوكالات الجهوية، في محاولة لتجاوز الانتقادات التي وُجهت سابقاً لسياسات تعمير وُصفت بأنها “متمركزة حضرياً” ولا تستحضر خصوصيات المجالات الهشة والمراكز الصاعدة.
وفي موازاة ذلك، تراهن الحكومة على الرقمنة كرافعة لتصحيح أعطاب الماضي، إذ أعلنت وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة “فاطمة الزهراء المنصوري” أن التدبير اللامادي سيصبح قاعدة داخل الوكالات الجهوية، مستفيدة من تجربة منصة “رخص”، مع إحداث منصات رقمية جديدة يُفترض أن تختصر الزمن الإداري وتحد من منطق السلطة التقديرية الذي طبع تدبير التعمير لسنوات.
غير أن النقاش البرلماني الذي رافق المصادقة كشف أن الرهان لا يخلو من مخاطر، خاصة في ما يتعلق بتمثيليات القرب. فترك إحداث هذه التمثيليات لتقدير المجالس الإدارية أثار تخوفات من إعادة إنتاج مركزية جديدة، هذه المرة على المستوى الجهوي، وهو ما نبهت إليه فرق معارضة وخبراء في السياسات الترابية، معتبرين أن غياب نص صريح يُلزم بتعميم تمثيليات القرب قد يفرغ المشروع من أحد أهدافه المعلنة، وهو تقريب الإدارة من المواطن.
تجارب دولية مماثلة، خصوصا في فرنسا وإسبانيا، أظهرت أن نجاح وكالات التخطيط الجهوي يظل مرتبطا بوجود شبكات محلية قوية ومُمَكَّنة قانونيا، قادرة على اتخاذ القرار اليومي ومواكبة الملفات الصغيرة والمتوسطة، دون العودة الدائمة إلى المركز الجهوي.
وعلى مستوى الموارد البشرية، ينص المشروع على دمج مستخدمي الوكالات الحضرية تلقائيا داخل البنية الجديدة، مع الحفاظ على أنظمتهم الحالية خلال المرحلة الانتقالية. غير أن غياب رؤية واضحة لتأهيل الكفاءات، وتحفيزها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، يطرح بسحب مصادر مطلعة، قدرة هذه المؤسسات على تحقيق القطيعة مع منطق التدبير الإداري التقليدي.
وتؤكد المصادر أنه مع المصادقة على القانون الجديد وبدء التحضيرات لنقل الممتلكات والاختصاصات، سيجد المغرب نفسه أمام ورش إصلاحي ثقيل، لا تُقاس نجاعته بعدد الوكالات أو اتساع نفوذها الترابي، بقدر ما تُقاس بقدرته على تبسيط المساطر، وتحقيق العدالة المجالية، وتحويل التعمير من عائق أمام الاستثمار إلى أداة فعلية للتنمية وتحسين جودة العيش.







