هناك حرب متعددة المستويات بين المغرب والجزائر، لم تصل إلى مرحلة المواجهة العسكرية، لكنها اتخذت أشكالاً أخرى. ففي المواجهة الدبلوماسية، سجّل المغرب تفوقاً واضحاً، وفي الواجهة الاقتصادية كانت الكفة لصالحه، كما حسم الرهان السياحي بدوره. غير أن ساحة واحدة ما تزال مفتوحة على مصراعيها: ساحة المواجهة الإعلامية.
لأعوام، راهنت الجزائر على ضخ مليارات الدولارات في حملات مناهِضة للمغرب، سواء عبر دول أو عبر أشخاص، قبل أن تكتشف أن هذا الإنفاق لم يحقق النتائج المرجوة. عندها، أدرك صُنّاع القرار داخل النظام الجزائري أن الإعلام، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي، يشكل أداة فعّالة في الهدم والتشويش. فتم الاستثمار في أصوات إعلامية معروفة، من بينها معلق رياضي ذائع الصيت، مع تسخير جيوش من الحسابات الإلكترونية المدفوعة والموجَّهة بعناية.
هذه الآلة الرقمية تتحرك بأقنعة متعددة: مرة بلسان مصري لاستهداف المغاربة، ومرة بلسان مغربي لضرب المصريين، وتُكرر الأسلوب نفسه مع بلدان أخرى وبمختلف اللغات. الهدف المعلن ضمنياً هو تحييد المغرب شعبياً عن محيطه، عبر تقديم المغاربة باعتبارهم منافسين غير مرغوب فيهم، بما يخلق نفوراً شعبياً تجاههم.
هذا التوجه وجد، في الوقت نفسه، تقاطعاً مع مصالح سياسية لقوى دولية وإقليمية. ففرنسا، على سبيل المثال، تتابع ما يجري، ووجدت في هذا المسار متنفساً، بعدما نجح المغرب في ملء الفراغ الذي خلّفه الانسحاب العسكري الفرنسي من عدد من الدول الإفريقية، عبر حضور اقتصادي واستثماري ساهم في خلق نوع من التوازن والاستقرار. وهو ما لم يكن منسجماً مع تصورات دوائر القرار الفرنسي التي كانت تراهن على الفوضى للعودة من بوابة التدخل العسكري.
من جهة أخرى، وجدت بعض الأنظمة الإفريقية، خصوصاً في الدول الغنية، حرجاً متزايداً إزاء ما حققه المغرب من تقدم، لما قد يطرحه ذلك من أسئلة داخلية ومطالب بالمحاسبة. فكان التغاضي، بل أحياناً التشجيع، على ما تقوم به الجزائر، والدليل السماح بمظاهر شماتة واحتفال بخسارة المغرب في مناسبات رياضية، داخل دول لا تسمح عادة بمثل هذه التعبيرات الشعبية.
من كل ذلك، يتضح أن هناك تكالباً غير معلن، لكنه قائم بحكم تقاطع المصالح. وهنا يطرح السؤال: ماذا عن المغرب والمغاربة؟
من المؤكد أن صُنّاع القرار في المغرب واعون تماماً بما يجري، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في ضعف الأدوات الإعلامية المواكِبة. وهو ما يفرض، اليوم قبل الغد، فتح ورش الإعلام على طاولة نقاش وطني جاد، في إطار مناظرة شاملة حول دوره في حماية المصالح الاستراتيجية للبلاد.
فالميزانيات الضخمة التي تُصرف سنوياً على ما يُسمّى مؤسسات إعلامية، دون أثر يُذكر، لن تقود إلى برّ الأمان. فحروب المستقبل لن تُحسم فقط في الميدان، بل في الفضاء الرقمي، حيث ستكون الغلبة لمن يتحكم في دفة وسائل التواصل الاجتماعي. والجزائر سبقت بخطوات في هذا المجال، بينما يظل أكثر من 35 مليون مغربي متصلين بالإنترنت دون بوصلة واضحة.
فما العمل؟







