تفجّر غضب اجتماعي حاد في ضواحي باريس عقب إعلان مجموعة “ليزي أوتوموتيف” إغلاق وحدتها الصناعية ببويزو-بونتواز ونقل جزء أساسي من إنتاجها إلى خارج فرنسا، وفي مقدمته المغرب، في قرار وُصف داخل الأوساط العمالية بـ”الصادم” و”العنيف”، وأعاد إلى الواجهة النقاش الأوروبي المتصاعد حول نزيف الوظائف الصناعية تحت ضغط المنافسة الدولية وكلفة الإنتاج.
القرار مسّ مباشرة حوالي 170 عاملاً وجدوا أنفسهم، في ظرف أيام قليلة، أمام نهاية غير متوقعة لمسار مهني طويل داخل مصنع تأسس سنة 1958 وشكّل لعقود مرجعاً في تصنيع قطع التثبيت الموجهة لعمالقة السيارات من قبيل رونو وستيلانتيس ومرسيدس. مشاهد العمال المجتمعين حول نيران أشعلوها أمام بوابة المصنع عكست حالة صدمة جماعية واحتقان اجتماعي غير مسبوق، في انتظار مفاوضات توصف بالحاسمة مع إدارة المجموعة.
وفي تصريحات نقلتها الصحافة الفرنسية، عبّر مستخدمو المصنع عن شعور عميق بالخيانة، خصوصاً وأن خبرتهم التقنية كانت في قلب المشاريع التي تطورها المجموعة خارج فرنسا. ففرق بويزو-بونتواز نفسها تولت، في السنوات الأخيرة، تكوين وتأطير العمال في مصنع طنجة، قبل أن تجد اليوم إنتاجها مرشحاً للانتقال إلى نفس الموقع الذي ساهمت في بنائه. أحد العمال قال بمرارة إن “كل ما يُنقل اليوم إلى الخارج وُلد هنا، بأفكارنا وخبرتنا”، معتبراً أن القرار يحمل بعداً رمزياً قاسياً يتجاوز مجرد إغلاق وحدة صناعية.
إدارة المجموعة بررت اختيارها بما وصفته “أزمة هيكلية في سوق السيارات” وارتفاعاً غير مسبوق في كلفة الطاقة، إضافة إلى ضغط متزايد من طرف شركات التصنيع لخفض الأسعار. المدير العام للفرع الصناعي اعتبر أن الموقع الفرنسي “لم يعد قادراً على المنافسة”، مؤكداً أن إعادة توزيع الإنتاج ستتم بين مصانع المجموعة في ألمانيا والمجر والمغرب، في محاولة للحفاظ على العقود الكبرى وضمان استمرارية النشاط.
غير أن هذه التبريرات لم تُقنع العمال ولا النقابات، التي تتهم الإدارة بإعداد القرار في صمت، بينما طُلب من المستخدمين تكثيف العمل خلال عطلة نهاية السنة بدعوى وجود طلبات مستعجلة. عدد من التقنيين أكدوا أنهم اشتغلوا حتى ليلة 31 دجنبر، قبل أن يكتشفوا بعد أيام قليلة أن المصنع مقبل على الإغلاق وأن مستقبلهم المهني بات مهدداً. هذا الإحساس بـ”الخداع” غذّى حالة الغضب وفتح جبهة مواجهة اجتماعية مفتوحة مع الإدارة.
تفكيك الوحدة سيتم على مرحلتين، بتوقيف نشاط البلاستيك خلال الصيف المقبل، ثم وقف إنتاج القطع المعدنية في أكتوبر. ورغم تعهد المجموعة بعرض إمكانات لإعادة الإدماج داخل فروع أخرى، خاصة في قطاع الطيران، فإن هذه الحلول تفرض تنقلاً نحو مدن بعيدة عن منطقة باريس، ما يضع العشرات أمام اختيارات قاسية اجتماعياً وعائلياً، في سياق اقتصادي متوتر تعرفه الضواحي الباريسية.
ويبرز المغرب مرة أخرى كأحد أبرز المستفيدين من إعادة تموقع الصناعة الأوروبية في قطاع السيارات. اختيار طنجة كوجهة بديلة للإنتاج يعكس المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها المنصة الصناعية المغربية من حيث الكلفة والتجهيز والاستقرار، لكنه في الوقت ذاته يؤشر على تحولات عميقة داخل الاقتصاد الفرنسي، حيث تتزايد المخاوف من فقدان مزيد من الوحدات الصناعية التاريخية تحت ضغط المنافسة الدولية.







