دخل فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالمنارة مراكش على خط موجة الهدم والترحيل التي تشهدها عدد من أحياء المدينة، معبّراً عن إدانة شديدة لما وصفه باستمرار الإخلاءات القسرية وفشل الاختيارات العمرانية، في سياق اعتبره مساساً مباشراً بالحق في السكن والعيش الكريم.
الفرع الحقوقي أكد، في بلاغ اطلعت عليه نيشان، أن ما يجري بحي يوسف بن تاشفين المعروف بـ“بين لقشالي” لا يمكن فصله عن مسلسل ممتد من الهدم والترحيل طال أحياء السبايس والزيتون القديم وأليغرو ومناطق أخرى، ويمس بالأساس فئات اجتماعية هشة تضم أرامل وأسر عسكريين ومحاربين ومتقاعدين، يعانون أصلاً من ضعف الدخل وهزالة المعاشات، ما يجعلهم في وضعية هشاشة مضاعفة أمام خطر التشريد.
البلاغ اعتبر أن هذه العمليات تعكس تحوّلاً في منطق تدبير المدينة، حيث يتم، بحسب تعبيره، التضحية بالحقوق الاجتماعية لفائدة مصالح عقارية ضيقة، في ظل ما سماه تغول لوبيات العقار واستثمار التحضير لتظاهرات كبرى، من بينها كأس العالم 2030، لإعادة تشكيل المجال الحضري وفق منطق المضاربة والربح، على حساب الفئات الشعبية. وذهب فرع الجمعية إلى توصيف الوضع باعتباره دليلاً على تراجع مفهوم “الدولة الاجتماعية”، مقابل تكريس واقع القهر الاجتماعي والإقصاء، من خلال انتهاك الحق في السكن اللائق ودفع الأسر الفقيرة إلى هامش المدينة.
وسجلت الجمعية أن ما يحدث اليوم ليس معزولاً أو طارئاً، مذكّرة بتراكم من البلاغات والمواقف السابقة منذ سنة 2011، حين تم توقيع محضر رسمي ينص على عدم ترحيل ساكنة الحي العسكري وإعادة هيكلته واستئناف مسار التمليك، وهو ما تؤكد الجمعية أنه لم يُحترم رغم مرور أزيد من عقد ونصف.
كما استحضرت محطات احتجاجية وبلاغات صدرت في 2017 و2019 و2022، اعتبرت أنها كشفت منذ وقت مبكر عن ما وصفته بالمماطلة والالتفاف على الالتزامات، في سياق ربطته بخدمة مصالح مضاربين عقاريين، وصولاً إلى قرارات مثيرة للجدل من قبيل تفويت عقارات عمومية، من بينها إغلاق المستشفى العسكري ابن سينا.
و أشار البلاغ إلى أن عمليات الهدم تتم بشكل متزامن في عدة مناطق، من بينها بين لقشالي، دوار أكومي باسكجور، تسلطانت، الويدان والعزوزية، وفي ظروف مناخية صعبة تتسم بالأمطار وانخفاض درجات الحرارة، دون توفير بدائل سكنية أو تعويضات، وهو ما أدى، بحسب الجمعية، إلى تشريد عشرات الأسر وتركها في مواجهة مباشرة مع غلاء الكراء وقساوة الطقس.
كما نبه إلى أن الهدم طال أيضاً دوار اللويحات بتسلطانت، مبرزاً ما قد يترتب عن ذلك من تهديد لانقطاع التلاميذ عن الدراسة في منتصف الموسم الدراسي، في غياب أي ترتيبات تضمن استمرارية حقهم في التعليم.
وربطت الجمعية هذه التطورات بما وصفته بفشل السياسات العمرانية وتراكم مشاريع متعثرة أو فاشلة، استنزفت، حسب تعبيرها، ملايير السنتيمات من المال العام دون تحقيق أهدافها الاجتماعية. واستحضرت في هذا السياق أمثلة من قبيل مشروع “مراكش الحاضرة المتجددة”، ومشروع الغالي، ومشاريع البساتين والعزوزية ودوار الكوم، إلى جانب برامج إعادة هيكلة بعدد من الجماعات المحيطة بالمدينة، معتبرة أن الإعلان الاحتفالي عن هذه المشاريع لم يواكبه إنجاز فعلي يحترم حقوق المستفيدين، بل انتهى بعضها إلى أوراش متوقفة أو ملفات نصب ونزاعات.
البلاغ شدد على أن الإخلاء والهدم في مثل هذه الشروط يشكلان انتهاكاً خطيراً للالتزامات الدستورية والدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان، خاصة ما يتعلق بالحق في السكن والتعليم والحماية من المخاطر، داعياً إلى الوقف الفوري لعمليات الهدم والترحيل إلى حين بلورة حلول عادلة ومنصفة، تقوم على إشراك فعلي للساكنة والجمعيات الحقوقية، وضمان الأمن القانوني، والكلفة المعقولة، وجودة السكن ومرافقه. كما طالبت الجمعية بفتح تحقيقات قضائية شفافة في مآلات برامج السكن الاجتماعي والاقتصادي، وترتيب المسؤوليات القانونية، واسترجاع الأموال العمومية والخاصة التي تقول إنها نُهبت، مع العودة إلى مسار التمليك وجبر ضرر الأسر المتضررة.
وختم فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالمنارة تأكيده على استمراره في تتبع وتوثيق هذه الملفات، ودعم نضالات الساكنة المتضررة، معتبراً أن الدفاع عن الحق في السكن والفضاء العمومي والكرامة الإنسانية يشكل جزءاً من معركة أوسع ضد تحويل مراكش إلى واجهة استهلاكية تخدم الرأسمال العقاري على حساب سكانها.







