رغم مرور ساعات طوال على اغتيال سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الراحل معمر القذافي، لا تزال الجهة المنفذة للعملية مجهولة، في حادثة أعادت إلى الواجهة أحد أكثر الأسماء رمزية في المشهد الليبي ما بعد 2011.
وبحسب تحليل نشرته مجلة “جون أفريك”، فإن ما جرى لا يمكن قراءته فقط كعملية تصفية جسدية، بل كاغتيال رمزي لـ«سردية سياسية» أكثر منه تصفية لمشروع سياسي قائم.
ونقل المصدر ذاته عن الخبير في الشأن الليبي جلال حرشاوي، الباحث في “المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود”، قوله إن «ما تم اغتياله فعليًا هو رواية كاملة»، في إشارة إلى الصورة التي ارتبطت بسيف الإسلام باعتباره، لفترة طويلة، الوريث المحتمل للنظام السابق، ثم لاحقًا أحد الوجوه التي راهنت عليها أطراف داخل ليبيا وخارجها لإعادة إنتاج نوع من الاستمرارية السياسية.
من وريث محتمل إلى عبء رمزي
سيف الإسلام القذافي، الذي اغتيل في مدينة الزنتان، شمال غرب طرابلس، كان يُنظر إليه قبل انتفاضة يناير 2011 على أنه الخليفة المنتظر لوالده. غير أن الثورة الليبية أعادت خلط الأوراق، ودخل جميع أبناء القذافي في مسارات انتهت، في معظمها، بالموت أو التهميش أو المنفى، وفق ما أوردته “جون أفريك”.
وبعد مقتل إخوته، معتصم بالله، وخميس، وسيف العرب، ظل سيف الإسلام الاسم الوحيد الذي جرى التعويل عليه سياسيًا، ولو بشكل محدود. هذا التعويل لم يكن نابعًا من طموح سياسي حقيقي بقدر ما كان، بحسب المجلة، نتاج رهان بعض الدوائر على قوة الاسم العائلي ورمزيته في مجتمع لم يُغلق بعد صفحة النظام السابق.
اغتيال بلا تبن.. ورسائل متعددة
وقعت عملية الاغتيال مساء 3 فبراير، حين اقتحم مسلحون منزل أحد قادة الميليشيات المحلية التي كانت تؤوي سيف الإسلام، وقاموا بتصفيته قبل أن يعمدوا إلى عرض جثمانه في مؤخرة سيارة رباعية الدفع، في مشهد بدا، وفق “جون أفريك”، مقصودًا من حيث الدلالة الرمزية والتأثير البصري، خصوصًا على منصات التواصل الاجتماعي.
غياب أي تبنٍّ رسمي للعملية فتح الباب أمام فرضيات متعددة، في سياق ليبي اعتاد الضبابية وتداخل المصالح المسلحة. غير أن المجلة تشدد على أن سيف الإسلام، في سنواته الأخيرة، لم يعد يشكل تهديدًا سياسيًا مباشرًا لأي طرف، بقدر ما كان عبئًا رمزيًا قابلًا للتوظيف.
رجل منهك نفسيا ومسار سياسي متعثر
تشير شهادات نقلتها “جون أفريك” إلى أن سيف الإسلام ظل يعاني من آثار نفسية عميقة منذ اعتقاله سنة 2012، قبل الإفراج عنه بموجب قانون العفو سنة 2016. وتحدث مقربون عنه عن حالة نفسية غير مستقرة، وعن شخص «منطفئ أحيانًا ومشوش أحيانًا أخرى»، ما جعله بعيدًا فعليًا عن أي مشروع سياسي منظم.
حتى محاولته الترشح للانتخابات الرئاسية المؤجلة لسنة 2021، والتي رُفضت ثم قُبلت شكليًا قبل إلغاء المسار الانتخابي برمته، بدت، بحسب المجلة، أقرب إلى انعكاس لفوضى المشهد الليبي منها إلى مشروع حقيقي للعودة إلى السلطة.
اسم يُستخدم أكثر مما يتحرك
وتخلص “جون أفريك” إلى أن سيف الإسلام القذافي ظل، في السنوات الأخيرة، ورقة تُلوَّح بها أكثر مما كان فاعلًا سياسيًا فعليًا. فوجوده كان يُستثمر أحيانًا في التفاوض، وأحيانًا في التخويف الرمزي، دون أن يكون هو نفسه مقتنعًا بإمكانية صناعة مستقبل سياسي داخل ليبيا المنقسمة.
من هذا المنظور، يبدو اغتياله استهدافًا لرمز أكثر من كونه تصفية لمنافس، ورسالة مفادها أن مرحلة «العودة الممكنة» لأسماء النظام السابق، ولو بشكل رمزي، قد أُغلقت نهائيًا، في بلد ما زال يبحث عن توازن مفقود بين الذاكرة والشرعية والواقع المسلح.







