لا يزال الخروج المفاجئ لعزيز أخنوش من رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار يثير سيلا من علامات الاستفهام داخل الأوساط السياسية والحزبية، في ضوء المعطيات المتداولة بشأن ما جرى بين مساء السبت 10 يناير وصباح الأحد 11 يناير؛ وهي الساعات الفاصلة التي انتقل فيها الحزب من الحديث عن تمديد ولاية هياكله إلى الدعوة لمؤتمر استثنائي طوى صفحة قيادية كاملة.
مصادر حضرت أشغال المجلس الوطني المنعقد يوم السبت 10 يناير الفائت بالرباط أكدت، في حديثها لـ“نيشان”، أن أخنوش كان واضحا في توجهه نحو خيار التمديد لمختلف أجهزة الحزب، استنادا إلى مقتضيات القانون الأساسي، وتحديدا المادة 34، مبررا ذلك بضرورة ضمان استمرارية العمل الميداني وتفادي أي ارتباك تنظيمي محتمل.
وأشار أخنوش، في كلمته حينها، إلى أن الحزب سيواصل هذا المسار من خلال تدشين “مسار المستقبل”، عبر تعميق النقاش العمومي وتوسيع المشاركة بإشراك المنظمات والهيئات الموازية وكافة الفاعلين، “إدراكا للدور الذي تضطلع به هذه التنظيمات في تأطير الكفاءات وصقل الطاقات وتقوية الحضور الميداني للحزب”.
وأضافت المصادر ذاتها أن أجواء الاجتماع لم تكن توحي بوجود تحول وشيك على مستوى القيادة، بل إن عددا من المتدخلين تعاملوا مع مقترح التمديد باعتباره توجها شبه محسوم، يعني عمليا استمرار أخنوش لولاية ثالثة.
غير أن المعطيات التي أعقبت الاجتماع سرعان ما قلبت موازين التقدير. إذ كشفت مصادر مطلعة على كواليس المشاورات التي تلت المجلس الوطني عن اتصالات مكثفة جرت في ساعات متأخرة من ليلة السبت، شملت أعضاء من المكتب السياسي وشخصيات وازنة من خارج البنية التنظيمية للحزب.
ووفق إفادات متطابقة، فقد انصب النقاش أساسا على تداعيات خيار التمديد في سياق سياسي موسوم بتصاعد الانتقادات الموجهة لأداء الحكومة، فضلا عن الكلفة الرمزية لاستمرار الجمع بين رئاسة الحزب ورئاسة الجهاز التنفيذي.
وبحسب مصدر من مكونات الأغلبية الحكومية، فإن التقديرات التي طُرحت خلال تلك المشاورات خلصت إلى أن عقد مؤتمر استثنائي وتجديد الواجهة الحزبية قد يشكلان مخرجا أقل كلفة سياسيا من الإبقاء على الوضع التنظيمي القائم.
وأوضح المصدر نفسه أن الأمر لم يكن وليد خلافات داخلية، كما روّج له البعض، بقدر ما ارتبط بقراءة سياسية للمرحلة وما تفرضه من إعادة تموقع على أكثر من مستوى، استنادا إلى تقديرات يُقال إنها صادرة عن جهات وازنة.
وتؤكد المصادر أنه، صباح الأحد 11 يناير، جرى إبلاغ عدد من القياديين بقرار التوجه نحو مؤتمر استثنائي، مرفوقا بإعلان أخنوش عدم الترشح لولاية جديدة.
وأشارت إلى أن التحول السريع فاجأ بعض الأعضاء، خاصة أن خيار التمديد كان قد طُرح قبل أقل من أربع وعشرين ساعة باعتباره توجها رسميا.
ووفق تعبير المصادر، فقد “سادت حالة من الذهول في صفوف عدد من الحاضرين”، قبل أن ينصرف النقاش إلى سبل تدبير المرحلة الانتقالية بأقل قدر ممكن من الارتباك التنظيمي، مع الاتفاق على تقديم خيار “عدم التمديد” كقرار جريء يعكس، بحسب الطرح الرسمي، إرادة القطع مع منطق التأبيد في القيادة وتكريس مبدأ التداول الديمقراطي.
وتضيف المصادر أن هذا التوجه هو ما حرصت القيادة على إعادة تأكيده خلال أشغال المؤتمر الاستثنائي المنعقد بالجديدة، من خلال تقديم القرار في صيغة “اختيار واعٍ” يندرج ضمن تقاليد التداول الديمقراطي الداخلي.
غير أن المصادر ذاتها ترى أن الرهان الأساسي انصب على تمرير الانتقال بسلاسة إلى الرئيس الجديد محمد شوكي، وتفادي فتح نقاش علني موسع حول الملابسات التي أحاطت بالتحول المفاجئ بين يومي السبت والأحد.







