في سبعينات القرن الماضي، كان المغاربة على موعد مع حدث استثنائي بعد أن اعتُقل عدد من الوزراء ورجال الأعمال والموظفين الكبار في إطار محاكمة خلقت الاعتقاد بأن رأس الفساد في المغرب سيتم قطعه.
لكن ما جرى خلال التحقيق مع متهمين فرّ عدد منهم خارج البلاد، والمسار الذي انتهت إليه أحكام الإدانة، كشف لنا أن هذه المحاكمة النادرة خلقت مفعولًا عكسيًا، ومنحت الفساد مناعة قوية ودائمة.
بل وجعلته يبسط نفوذه على كثير من القطاعات دون أن تتحرك الدولة لمواجهته، أو على الأقل لإزعاجه.
خلال محاكمة الوزراء الشهيرة، صُدم المحققون للوقائغ الصادمة والخطيرة التي سردها بعض الشهود الذين تم استدعاؤهم.
الشهود كشفوا الدوائر المتداخلة والمعقدة للفساد الكبير الذي يحتضنه بعض من يجمعون بين السلطة والمال. وهو الفساد الذي نجح في التغلغل داخل النسيج الاقتصادي والسياسي، ليكرّس اقتصاد الريع والامتيازات والاحتكار.
اليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على تلك المحاكمة، التي اضطر فيها المحققون إلى اختصار جلسات الاستماع… و”ترطيب” الأسئلة حتى لا تصل المحاسبة إلى رؤوس لم تكن تخطر على بالهم، لا يمكن أن نعثر ولو على نصر صغير تحقق في مواجهة الفساد… بل العكس هو الذي حصل.
بعد كل هذه السنوات، ورغم مئات المليارات التي طارت إلى أرصدة اللصوص الكبار في الخارج، والصفقات والمشاريع الضخمة التي انتهت لصالح أسماء تمارس الاحتكار العلني، والثروات التي نُهبت، نعاين كيف أن الفساد أصبح مهيكلًا.
فساد “علني” صار وشتغل انقطاع، كآلة يتم تشحيمها على الدوام، فيما تفضل الدولة التعايش معه عوض إعلان الحرب عليه…
هو أمر تجاوز التلميح إلى التصريح، دون أن يشكل ذلك أي حرج لمن يهمهم الأمر، رغم أن الوقت قد حان للتعامل مع هذا الملف بجدية، بعد أن وصلنا في عدد من المؤشرات إلى المستوى الأحمر.
اليوم أمامنا أدلة فاضحة على وزراء غارقين في تضارب مصالح..
وآخرون يتحكمون في مسار الصفقات لمنحها لأصدقائهم…
وزير باعنا القرد وركب موجة “صنع في المغرب” لربح دعم بالمليارات مقابل سيارات مشوهة لم نر لها أثرًا.
وزير آخر يمنح صفقات لزميله في الحكومة فقط لأنهما يدوران في فلك رئيس الحكومة وزوجته.
وزير ينزع الصفقات “صحة” من أصحابها ليضعها في جيوب آخرين…
و وزير يعبث بالتعليم ويسابق الزمن لتفريخ صفقات مضروبة بمئات المليارات قبل موعد الانتخابات.
كل هذا ليس غريبًا عن الأغلبية التي منحت أكثر من 30 برلمانيًا متابعا بتهم ثقيلة أو خلف القضبان.
فمتى نرى وزراء آخر الزمن أمام القضاء؟







