قضية ما يعرف بمؤامرة 1963 التي تمحورت حول وجود تنظيم يسعى للإطاحة بالحسن الثاني مستعينا بأسلحة ستتم سرقتها من القاعدة الأمريكية دامت ثلاثة أشهر، وعرفت فصولا من الإثارة والتشويق التي ابتدأت مع القنبلة التي فجرها مومن الديوري أمام القاضي لتختلي الهيئة بعد ذلك في أطول مداولة قضائية في تاريخ المحاكمات بالمغرب ،حيث امتدت لأسبوع كامل قبل أن تصدر الأحكام في هذه القضية التي كانت مجرد تهميد لسلسلة من الإحداث التي ميزت مغرب الحسن الثاني.
المحكمة قضت بإعدام 11متهما ثمانية منهم في حالة فرار، وتضمنت قائمة المحكومين بالإعدام عددا من الأسماء من بينها مومن الديوري وشيخ العرب والمهدي بنبركة ومحمد البصري وعمر بنجلون وسعيد بونعيلات، كما صدر حكم بالمؤبد في حق ثلاثة متابعين، والسجن عشرين سنة في حق أربعة متهمين إضافة إلى إدانة 5متابعين بعشر سنوات، وتبرئة 35 متهما ومصادرة جميع المحجوزات لفائدة الدولة ونشر الأحكام في الصحف الوطنية قبل أن يمنح القاضي للمتهمين أجل ثمانية أيام للطعن في الحكم.
الديوري وعند مثوله أمام رئيس الجلسة قال أن كلامه سيسجله التاريخ، وأنه قبل اليوم كان مخيرا ما بين الموت والحياة، و اختار الحياة من أجل أن يكشف عن حقيقة ما إذا كانت هناك فعلا مؤامرة مدبرة ضد الملك، ليشرع بعد ذلك في سرد تفاصيل خطيرة قلبت مسار الملف، وكشف مومن عن الوجه الآخر للمؤامرة التي اختاره مدبروها للإشراف عليها، وقال أن المؤامرة التي لا يوجد فيه زور، لا تستهدف الملك بل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
مومن أكد انه تعرض للتعذيب على مدار 34 يوما من خلال إغماض عينيه وصب الماء المالح في انفه وجرحه بشفرة حلاقة، وصعقه بالكهرباء على مستوى رأسه وأعضائه التناسلية بعد غطس رأسه في دلو ملء بالبول، كما أكد انه عاين خلال ذلك إعدام متهمين اثنين بالرصاص، وإصابة آخرين من أجل الضغط عليه وتهييئه نفسيا لقبول التعاون، ونسج خيوط القضية، بعد أن أخبره رجال الأمن أنه مجرد وسيلة في سبيل تحقيق الغاية المنشودة وهي توريط الاتحاد الوطني.
وأضاف مومن بأنه تحمل كل ذلك، وكان ينتظر المثول أمام قاضي التحقيق ليتخلص من هذا الجحيم لكن مفاجئته ستكون كبيرة، بعد أن اكتشف أن قاضي التحقيق لم يكن سوى أحد الأشخاص الذين عاينوا تعذبيه، والذي التقى به في فيلا تعود ملكيتها لمسؤول أمني شرب معه الشاي بعد أن تأكد الجهاز الأمني أن مومن قد أصبح مستعدا لتجسيد دوره في سيناريو المؤامرة، مقابل الوعد الذي تلقاه بالخروج من القضية مثل الشعرة من العجين.
وأكد مومن أن تعذيبه جاء من أجل علاقته بالمهدي بن بركة، وأن حياته كانت في خطر وهو ما اكتشفه في فيلا المسؤول الأمني التي حل بها كضيف، وتلقى بها العلاج من الجروح التي لحقت به أثناء التعذيب.
مومن واصل حديثه أمام رئيس الجلسة، وكشف مصدر السلاح الذي قيل أن المؤامرة كانت ستنفد بواسطته، وقال أن الأسلحة كانت جزءا من السيناريو، وانه كان من المقرر وضعها في مقر الكتابة العامة للاتحاد، وبعد ذلك تم نقل الأسلحة بتنسيق مع البوليس إلى ضيعة، والتقطت له العديد من الصور وهو يقوم بوضعها هناك، كما طلب من صاحب الضيعة الشهادة بأنه من قام بوضع الأسلحة عنده كوديعة، وهو ما رفضه ليتلقى بدوره نصيبه من التعذيب قبل أن يتدخل مومن ليفكه من أنياب الموت بعد أن أكد للشرطة أن لا فائدة من شهادته وأن اعترافاته فيها الكفاية.
كما أكد مومن أمام القاضي انه في 15 يونيو 1963 حلت عناصر أمنية بمنزله ونقلته إلى القاعدة الأمريكية بالقنيطرة، وهناك التقطت له صورا مع القبطان الدليمي، قبل أن يتم حقنه بسائل وإخضاعه للاستنطاق، وأشار إلى أن الأمن عثر بحوزته على مبلغ مالي حصله من خلال بيع بعض ممتلكاته، وطلبوا منه أن يصرح بان هذا المبلغ يخص محمد البصري، وأن المهدي بن بركة طلب منه تنفيذ عمليات اغتيال، وسلمه مليوني فرنك لشراء مقهى بالدار البيضاء .
كما سخر مومن من الطريقة التي نهجت معه أثناء التحقيق حول علاقته بشيخ العرب وأشار إلى أن هذا الأخير له مكان معروف بالدار البيضاء والرباط، رغم ما تحاول الأجهزة الأمنية الترويج له من كونه شخصا خطيرا، وأضاف بأنه سافر مع شيخ العرب في أكثر من مناسبة وكان رجال الدرك يعانقونه، وشدد مومن على أن كل ما ورد في المحاضر هو من نسج البوليس الذي طلب منه التواطؤ في هذا الملف، والإدلاء بتصريحات تدين باقي المتهمين، وهو ما ينطبق أيضا على قاضي التحقيق الذي كان ستارا وتتمة للعمل الذي يقوم به الأمن بعد أن حضر جلسات التعذيب في الكومسيارية ليقاطعه القاضي بمبرر انه ليس من حقه الإدلاء بتصريحات خطيرة ضد قاض. كما سأله عن علاقته بشيخ العرب الذي أرهق الأجهزة الأمنية وأصبح على رأس لائحة المطلوبين حيا او ميتا، فأجاب مومن بأنه كانت تربطه به علاقة صداقة ويلتقيان بين الحين والأخر
ممثل النيابة العامة مجيد بنجلون عقب على التصريحات المثيرة التي أدلى بها مومن الديوري، واعتبر أن ما قاله مجرد مناورة تعود عليها المتهمون الذين يتراجعون عن اعترافاتهم أمام الشرطة وقاضي التحقيق لعرقلة سير العدالة، وأشار إلى وجود حجج ووثائق واعترافات تؤكد التهم المنسوبة للمتهمين.
كما حاول ممثل النيابة العامة الذي حرص على التمييز خلال مرافعته بين منظمتين ويتعلق الأمر بمنظمة شيخ العرب، ومنظمة محمد البصري، حاول ما أمكن امتصاص المفاجأة التي أحدثها مومن الديوري ،وقال أمام الهيئة بان تصريحات مومن سبقها ترويج لإشاعات تفيد بان قنبلة ستنفجر أمام الهيئة مما يعني انه تم الإعداد لها مسبقا، قبل أن يحاول سرد ما اعتبره تناقضات في تصريح مومن الديوري، كما طلب من المحكمة استدعاء القاضي عبد السلام الدبي الذي ورد اسمه في تصريحات مومن والاستماع إلى إفادته.







