ألقى تنحي عزيز أخنوش عن صهوة قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار—في سياق تؤكد معطيات متقاطعة أنه لم يكن مبادرة شخصية خالصة بقدر ما جاء استجابة لإشارة سياسية بأن المرحلة استُنفدت—بظلال كثيفة من الشك والترقب على خارطة تحالفات بدت، إلى وقت قريب، محصنة بتحالف ثلاثي متماسك. ما جرى لم يكن مجرد انتقال تنظيمي داخل حزب “الحمامة”، بل لحظة إعادة ضبط هادئة لموازين القوة، فتحت الباب أمام قراءة المشهد من زاوية “ما بعد الأخنوشية”، بكل ما تحمله من احتمالات سيولة وتحالفات هجينة.
داخل الأغلبية، تقول مصادر حزبية إن خروج عزيز أخنوش من قيادة الحزب سحب “المظلّة السياسية” التي كانت توفّر نقطة ارتكاز لتحالف ضم حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال. فالتوازن السابق كان يقوم على مركز ثقل واضح يجمع بين القرار الحزبي ورئاسة الحكومة. ومع انتخاب محمد الشوكي رئيسًا جديدًا في المؤتمر الاستثنائي، دخل التحالف مرحلة اختبار حقيقي لقدرته على الاستمرار دون الضامن السابق.
الشوكي، القيادي الذي كان يرأس فريق الحزب بمجلس النواب وقادمًا من تجربة سابقة داخل “البام”، شكّل صعوده مفاجأة محسوبة في آن واحد.
قيادي سابق تحدث لـ“نيشان” يرى أن “الانتقال لم يكن تداولًا بالمعنى الكلاسيكي، بل إعادة ترتيب داخل الدائرة نفسها”، معتبرًا أن الشوكي يُنظر إليه كخيار يضمن استمرارية الشبكات والعلاقات التي تشكلت خلال عقد من إعادة هيكلة الحزب، أكثر مما يمثل قطيعة تنظيمية عميقة.
وتضيف مصادر مطلعة على كواليس المؤتمر أن دعم أخنوش الصريح له لم يكن تفصيلًا رمزيًا، بل رسالة تطمين للحلفاء والفاعلين الاقتصاديين بأن التوجهات الاستراتيجية لن تتغير جذريًا.
غير أن هذا الحرص على الاستمرارية يضع الأغلبية أمام معادلة دقيقة. فـ“الأحرار” يملكون بنية تنظيمية متماسكة انتخابيًا، لكنهم يحملون أيضًا كلفة اجتماعية متراكمة من تدبير ملفات حساسة.
وتؤكد مصادر من داخل أحد مكونات الأغلبية أن “كل حزب بدأ يفكر في تحصين رصيده الانتخابي مبكرًا”، في إشارة إلى احتمال بروز مساحات تباين داخل الأغلبية كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية لـ 2026.
على الضفة المقابلة، لا تبدو المعارضة في موقع المنتشي. فداخل حزب العدالة والتنمية، تقول مصادر قيادية إن الحزب يتعامل مع التطور بحذر شديد، بل بقدر من التخوف. فقد كان يعوّل على فشل أخنوش وإخفاقات حكومته لتغذية خطاب تعبوي انتخابي في 2026، مستندًا إلى رمزية الخصم أكثر من بناء بديل مكتمل. وبخروج أخنوش من قيادة الحزب، “ذهب خصم كان يشكل عنوانًا جاهزًا للاستقطاب”، وفق تعبير قيادي تحدث لـ“نيشان”، ما يفرض على الحزب إعادة صياغة سرديته بعيدًا عن شخصنة المواجهة.
أما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فيقرأ التحول ببراغماتية. مصادر اتحادية تعتبر أن تآكل صورة “التحالف المحصّن” يفتح هوامش مناورة جديدة، لكنها لا تخفي أن أي حديث عن أدوار محورية أو تحالفات بديلة سيعيد طرح سؤال التجديد الداخلي والقدرة على إقناع الرأي العام بامتلاك عرض سياسي يتجاوز التموضع التكتيكي.
الفرضية الأكثر تداولًا في الكواليس لا تتجه نحو تفكك وشيك للأغلبية، بل نحو مرحلة مرونة قد تُنتج تحالفات هجينة قائمة على تقاطعات ظرفية. فالتجربة أظهرت أن التحالفات في المغرب تُبنى غالبًا بمنطق تدبير التوازنات أكثر من الانسجام الإيديولوجي. ومع اقتراب الاستحقاقات، قد يعرف المشهد السياسي تقاربات انتخابية موضعية، أو إعادة توزيع غير معلن للأدوار داخل التحالف الحالي لتخفيف كلفة المرحلة السابقة دون المجازفة بصدمة سياسية.
لكن العامل الحاسم، وفق مصادر سياسية متطابقة، سيظل اجتماعيًا. فتنحي أخنوش قد يخفف العبء الرمزي المرتبط بشخصه، لكنه لا يمحو فجوة الثقة ولا ضغط الملفات المعيشية. وإذا لم تستطع القيادة الجديدة لـ“الأحرار” تحويل الانتقال إلى تجديد فعلي في الخطاب والأداء، فإن الساحة ستبقى مفتوحة أمام عودة استقطاب أكثر حدّة أو تشكّل تحالفات غير متوقعة تفرضها حسابات البقاء.
هكذا، لا تعني “ما بعد الأخنوشية” نهاية جاهزة لتحالفات قائمة، ولا ميلادًا فوريًا لأخرى جديدة. إنها بالأحرى لحظة إعادة تشكل مفتوحة على كل الاحتمالات “استمرار بصيغة معدّلة، أو إعادة تموقع صامت، أو تحالفات هجينة تفرضها الضرورة الانتخابية”. الثابت الوحيد أن ميزان القوى لم يعد كما كان، وأن السياسة المغربية دخلت طورًا تُعاد فيه صياغة القواعد بهدوء، قبل أن تتجلى نتائجه دفعة واحدة عند أول استحقاق انتخابي.







