صهر المذبوح، المرشح مزيرد، أكد خلال الاستماع إليه أمام المحكمة أنه تلقى اتصالاً من الكولونيل اعبابو طلب فيه مرافقته إلى الرباط لتقديم هدية إلى صهره، مشيراً إلى أنه لم يكن يعلم بوجود أمور تُدبر في الخفاء، بعد أن أمره اعبابو بركوب شاحنة انطلقت من بوقنادل. وعند الوصول إلى الصخيرات تم إلقاء القبض عليه، لأنه كان يرتدي زيًا مدنيًا، قبل أن يتعرف الجنود على هويته ويطلقوا سراحه.
وكشف المرشح مزيرد جانبًا آخر من الحوار بين المذبوح واعبابو، مشيراً إلى أنه رأى خصامًا بينهما وسمع اعبابو يقول: “أين الملك؟”، ليرد المذبوح: “لقد اشترط أن نذهب إليه وحدنا دون جنود”، ليجيبه اعبابو بلهجة غاضبة: “لا، بل برفقة الجنود”، ثم دخلا إلى القصر وسُمع إطلاق نار سقط على إثره المذبوح.
أما اعبابو، فقد لقي مصرعه بعد مغادرته قصر الصخيرات وهو ينزف، متوجهاً إلى مقر القيادة العامة، وبعد مدة التحق بالمقر الجنرال البشير البوهالي رفقة حوالي عشرين عنصرًا بينهم ضباط وجنود من فرقة الأمن الخفيفة. وعندما أخبر اعبابو بوصوله، نادى على مساعده عقا لكنه لم يجده، فطلب من عاشور مرافقته.
المواجهة بين اعبابو والبوهالي لم تستغرق وقتًا طويلًا، حيث طالب البوهالي اعبابو بـ “نعل الشيطان” وتسليم عناصره، وتراشقا الطرفان بكلمات قاسية قبل أن يلعلع صوت الرشاشات ليسقط كل منهما ممتدًا على الأرض.
الطلقات التي أصابت اعبابو لم تكن كافية لقتله، فتمسك وهو ممدد على الأرض بكتف عقا وتوسل إليه أن يطلق عليه رصاصة الرحمة، فذلك أهون عليه من الاعتقال والمحاكمة التي قد تنتهي بالإعدام. ساد التردد لفترة قصيرة، لكن اعبابو كرر طلبه بصيغة الأمر، فدوّى صوت الرصاصة، لتوضع نهاية لمحاولة انقلابية اتسمت بالكثير من العشوائية، وبلغ صداها العالم الذي تابع كيف تحول احتفال الحسن الثاني بعيد ميلاده بالقصر الملكي بالصخيرات إلى ساحة قتال حقيقية.
الملازم محمد الكوري، الذي كان ضمن القافلة الثانية، أكد أن الأوامر الأولية كانت تتعلق بمحاصرة بناية بقرية الصخيرات لتطهيرها من عناصر مشوشة. ومع الاقتراب من مدخل القصر الملكي، سمع طلقات نارية ورأى مدنيًا يهرول نحو اعبابو وهو يصرخ في وجهه: “هذا لعب الدراري”، غير أن رصاصة انطلقت من مسدس اعبابو أخرسته للأبد.
وأكد الكوري أن تلاميذ المدرسة العسكرية لاهرمومو كانوا في حالة غير طبيعية وشرعوا في إطلاق النار بشكل عشوائي على أي هدف تصادفه أعينهم، وأحيانًا كانوا يطلقون النار على بعضهم البعض، مما أدى إلى سقوط عدد منهم. ويعزز هذا الرواية التي تقول إن التلاميذ المشاركين في المحاولة الانقلابية تم تخديرهم، كما أكد الحسن الثاني في حوار صحفي، قائلاً: “ما هو مؤكد أن قادة الوحدات كانوا يتوفرون على زجاجات صغيرة تحتوي على بعض المنبهات وزعوها على بعض الجنود. من السهل أن تجعل الجنود يبتلعون أقراصًا، فالجيش يقدم دائمًا أقراصًا طبية مخصصة لتطهير الماء ومحاربة حمى المستنقعات والكوليرا وغيرها”.
العشوائية التي ميزت المحاولة الانقلابية ظهرت أيضًا في مقر الإذاعة، بعد أن حاول الانقلابيون تلاوة بيانهم بنفس الطريقة الكلاسيكية المعتمدة في الحركات الانقلابية في تلك الفترة. فالجنود المدججون بالأسلحة الذين احتلوا مقر الإذاعة اقتحموا غرفة التسجيل بحثًا عن من يقرأ بيانهم الأول للعالم، ليجدوا المطرب المصري عبد الحليم حافظ وجهاً لوجه أمام جنود ثائرين طلبوا منه قراءة بيان يعلن من خلاله الإطاحة بنظام الحسن الثاني. غير أن عبد الحليم لجأ إلى أسلوب دبلوماسي في الرد وأقنعهم بأنه فنان ولا يتدخل في السياسة، ليتركوه في حاله ويبحثوا عن شخص آخر يتولى المهمة، والذي كان الملحن الراحل عبد السلام عامر.
ممثل النيابة العامة طالب بإنزال عقوبة الإعدام بحق 26 من ضباط وأعضاء الفرقة الخاصة، والسجن المؤبد لـ 25 من الضباط ورؤساء فرق الكوماندو، و20 سنة في حق ضباط الصف وإطارات الفرق. ولم يتقدم بأي طلب بخصوص 17 متهمًا من بينهم عدد من التلاميذ، تاركًا تقرير مصيرهم بيد المحكمة، كما تم المطالبة بعدم متابعة 85 متهمًا كان لهم دور في السيطرة على الوضع داخل القصر.
استمرت المحاكمة شهرًا كاملاً قبل أن تقرر المحكمة العسكرية، وبعد 60 ساعة من المداولات ووسط حضور مكثف للصحافيين المغاربة والأجانب، رفض الدفوعات الشكلية التي تقدم بها المحامي بنعمرو باسم هيئة الدفاع، والتي طالبت بإبطال العمل بالوثائق والمحاضر التي قدمتها الشرطة والنيابة العامة بعد الطعن في مبدأ تحريك الدعوى استنادًا إلى قانون العدل العسكري الصادر بعد أحداث الصخيرات.
وهكذا قررت المحكمة إصدار حكم بالإعدام بحق المرشح الرايس، فيما مُنح كل من القبطان محمد شلاط وهروش عقا وغاني عاشور ظروف التخفيف مع الحكم عليهم بالسجن المؤبد، وأُدين المقدم اعبابو والملازم الأول الحافي والملازم الثاني اليقضي بعشرين سنة سجناً بعد تمتّعهم بظروف التخفيف، فيما تراوحت باقي الأحكام بين 15 سنة وسنة واحدة، بينما قررت المحكمة تبرئة 1008 متهمين، ومنح المتهمين مهلة 24 ساعة للطعن بالنقض.







