بينما كانت الأسر المغربية ذات الدخل المحدود والمتوسط تمني النفس بإنهاء كابوس الإيجار والالتحاق بركب الملكية العقارية بفضل البرنامج الملكي للدعم المباشر للسكن، استيقظ الكثيرون على واقع مغاير تماماً في دهاليز المكاتب العقارية وهوامش المدن الكبرى.
فالمبادرة التي أريد لها أن تكون رافعة اجتماعية صلبة لتعزيز كرامة المواطن وتقليص العجز السكني، وجدت نفسها في مواجهة “جشع” غير معلن من طرف فئة عريضة من المنعشين العقاريين، الذين سارعوا إلى امتصاص قيمة الدعم المالي قبل أن يصل فعلياً إلى جيوب المستفيدين.
وتكشف جولة بسيطة في كواليس المشاريع السكنية بضواحي الدار البيضاء وطنجة ومراكش، كيف قفزت أسعار الشقق بشكل مفاجئ وبنسب تتراوح ما بين 10% و15% تزامناً مع إطلاق المنصة الرقمية لطلبات الدعم، وهو ما يطرح علامات استفهام كبرى حول نجاعة آليات المراقبة والتتبع التي واكبت هذا الورش الوطني الضخم.
وترى مصادر مطلعة، أن المشهد اليوم يبدو كمعادلة صفرية، حيث يتم تحويل الأموال العمومية المخصصة للفئات الهشة بطريقة “ذكية” إلى أرصدة الشركات العقارية الكبرى والمتوسطة، وذلك عبر ممارسات تبدأ من التلاعب في أثمنة البيع المصرح بها، وصولاً إلى فرض مبالغ إضافية تحت الطاولة “النوار” بذريعة ارتفاع تكلفة مواد البناء.
هذا الالتفاف الممنهج على فلسفة “الدعم المباشر” لم يفرغ المبادرة من محتواها الاجتماعي فحسب، بل خلق نوعاً من الإحباط لدى شريحة واسعة من الشباب المقبلين على الزواج والموظفين الصغار، الذين وجدوا أن مبلغ 70 ألف أو 100 ألف درهم الذي تمنحه الدولة، قد التهمته سلفاً الزيادات الصاروخية في أسعار المتر المربع التي فرضها المنعشون دون مبرر اقتصادي منطقي سوى استغلال “الفرصة”.
وفي ظل هذا التوحش العقاري، تبرز مسؤولية الفدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين ومعها الوزارة الوصية في كبح جماح هذه المضاربات التي تهدد السلم الاجتماعي وتعيق طموح الدولة في بناء مجتمع تضامني. فالتقارير الميدانية تشير إلى أن عدداً من المنعشين عمدوا إلى تقليص مساحات الشقق وتجويدها الصوري مع رفع السعر ليتناسب تماماً مع سقف الدعم، مما جعل المواطن يشتري “الوهم” بتكلفة حقيقية باهظة.
وتضوح المصادر، أن ما يحدث اليوم في سوق العقار المغربي ليس مجرد تقلبات اقتصادية عادية، بل هو اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات الرقابية على حماية “القرار الملكي” من تغول اللوبيات التي لا ترى في الأزمات الاجتماعية سوى أرقام إضافية في ميزانياتها السنوية، وهو ما يستدعي تدخلاً حازماً لإعادة الأمور إلى نصابها وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين لا إلى جيوب الوسطاء والمضاربين.
وفي اتصال هاتفي لـ “نيشان” مع “محمد مامون” الخبير اقتصادي المتخصص في السياسات السكنية، أكد أن الفجوة بين النوايا الاجتماعية للبرنامج الملكي والواقع الميداني تتسع بسبب غياب آليات “تسقيف الأسعار” في المناطق ذات الطلب المرتفع، موضحاً أن منح دعم مالي مباشر للمواطن دون ضبط صارم لثمن المتر المربع في المشاريع المشمولة بالدعم، جعل من الدولة “ممولاً غير مباشر” لأرباح الشركات العقارية عوض أن تكون ضامنة لحق المواطن في سكن لائق بتكلفة معقولة.
من جهته، صرح مصدر من داخل المنظمة المغربية لحماية المستهلك لموقع “نيشان“، أن المنظمة توصلت بعشرات الشكاوى التي توثق فرض “زيادات فجائية” على عقود الوعد بالبيع بمجرد إدلاء الزبون بوثيقة الأهلية للحصول على الدعم.
وأضاف المصدر ذاته أن بعض المنعشين يبتكرون طرقاً ملتوية للالتفاف على التصريح القانوني بالثمن، عبر فرض مبالغ إضافية تحت مسمى “مصاريف ملف” أو “تجهيزات تكميلية” إجبارية، وهي في جوهرها ليست سوى استرداد مقنع لقيمة الدعم الذي تمنحه الدولة للزبون.
هذا الوضع يضع البرنامج أمام تحدي “الصدقية”، حيث بات المواطن يجد نفسه في مواجهة “لوبيات” عقارية استبقت مفعول الدعم برفع الأسعار سلفاً، مما أفرغ المبادرة من جوهرها التضامني وحولها إلى وسيلة لإنعاش ركود السوق العقاري على حساب القدرة الشرائية للفئات الهشة والمتوسطة.
وترى المصادر أن استمرار هذا التغول العقاري في ظل صمت الجهات الرقابية يهدد بتحويل ورش “الدولة الاجتماعية” إلى فرصة لمراكمة الثروات لدى فئة محدودة، وهو ما يستوجب تدخلاً عاجلاً من مجلس المنافسة والوزارة الوصية لضبط إيقاع الأسعار وتفعيل لجان تفتيش ميدانية تضرب بيد من حديد على المتلاعبين بالأمن السكني للمغاربة، لضمان أن تظل المنحة الملكية حقاً خالصاً للمواطن لا “غنيمة” سهلة في جيوب المنعشين.







