شهدت محاولات الإصلاح بالمغرب خلال العقد الماضي تحولا مهما تمثل في التوجه نحو تحسين علاقة الإدارة بالمواطنين، والتركيز على ضمان مشاركتهم في توجيه العمليات الإدارية نحو الفعالية والكفاءة، انسجاما مع روح المواطنة و مفهومها، الذي نشا وبشكل متواز مع مفهوم المدينة-الدولة، كإطار جيوسياسي بمتابة الحاضن الأصلي لهذا المفهوم الذي تمحور في بادئ الأمر حول إمكانية مشاركة المواطنين “الاثينيين”- نسبة إلى أثينا اليونانية- في الشأن العام للجماعة في الإطار الجغرافي الذي تتخذه هذه الأخيرة مستقرا لها، فكان موضغ ( l’agona) مكان تجمع المواطنين وصنع القرار السياسي وفضاء عمومي للتعبير الحر الذي يعتمد على الحجج والبراهين للوصول إلى ما يسمى” الحس المشترك”. وسيعرف مسار المواطنة-الدولة عدة تغييرات إبان الصراع في الدول الغربية بين السلطة الدينية( الكنيسة) والسلطة السياسية(الدولة) وتبلور بعد ذلك إطار الدولة القومية عبر ثلاثة أبعاد أساسية: 1- البعد المدني المتمثل في الحقوق الشخصية والفردية، 2- البعد السياسي الخاص بالمشاركة في السلطة 3- البعد المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وأصبحت المواطنة مرتبطة بالهوية والانتماء للأرض. وما بين القرنين 18و 20 وما عرف من ثورات(أوربية وأمريكية) تعززت مبادئ الحرية واحترام حقوق الإنسان وتم إحداث آليات جديدة ومؤسسات ديمقراطية تعنى بقضايا المواطنة حيث يصبح معها الشعب مصدر للسلطات والمساهم في تنفيذها. غير أن مجيء العولمة أصبح ينذر بفك الارتباط بين المواطنة والإطار الجيوسياسي(الدولة) وأصبح المواطنة ما فوق وطنية، أو عالمية متحررة من القيود…؟ ومهما يكن فانتشار الفكر الديمقراطي الذي يسمح بالاختلاف في الرأي، أصبح هو الضامن لمشاركة كل الفاعلين في الاختيارات و التوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية…و مع اتساع هامش الاهتمام بحقوق الإنسان وتعاظم دور المواطن والمجتمع المدني في التأثير في السياسات العمومية. وإذا كانت المواطنة هي عصب الديمقراطية، فإن الدستور المغربي لسنة 2011 يعتبر دستورا تشاركيا بامتياز، لكونه تبلور عن طريق الإنصات لكل الفاعلين من الهيآت السياسية والنقابية والشبابية ….فهو دستور من صنع المغاربة شكلا ومضمونا.(إضافة المصالحة هيأة الإنصاف لجبر سنوات الجمر أو الرصاص وإحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان لتعزيز منظومة حقوق الإنسان …صلاحيات لرئيس الحكومة لم تتوفر لمن سبقوه…)
إن تعدد وتنوع حاجيات المواطنين يفسر الحاجة لتدخل الدولة وهيئاتها في جميع المجالات. ومن هنا يأتي الحديث عن المرفق العمومي كمشروع تنشاه الدولة أو من ينوب عنها ويهدف إلى تحقيق المصلحة العامة ويبقى أثناء نشاطه خاضعا للجهة التي أنشأته . و هنا تجدر الإشارة إلى كون الدراسات المهتمة بفكرة المرفق العمومي وما ترتبط بها من جوانب مفاهيمية وتطبيقية، ظلت تتسم بالراهنية والمسايرة، بدءا بالحديث عن المرفق العمومي في ظل الدولة الدركية”l’état gendarme” مرورا بالدولة التدخلية أو العناية” l’état providence” وصولا إلى الدولة في ظل التوجهات الحديثة لتيار العولمة الجارف والتطورات المرتبطة به والحاصلة على مستوى عمق وظائف الدولة، خاصة مع انبثاق مفهوم الخوصصة كمفهوم لا محيد عنه بالنسبة للفكر الليبرالي الذي يرسخ مبدأ المبادرة الخاصة كدعامة رئيسية لتوجهات الدولة التنموية.
ويمكن التمييز بين المرافق العمومية باعتماد العديد من المعايير: فحسب أسلوب التسيير يمكن التمييز بين المرافق التي تسيرها الإدارة العمومية و التي يسيرها الخواص و نوع النشاط الذي يميز بين المرافق العمومي الإدارية و الاجتماعية والثقافية والتجارية و الصناعية . و من خلال المقياس الجغرافي للنشاط يمكن التمييز بين مرافق وطنية و أخرى جهوية و محلية. و حسب الشخصية المعنوية هناك مرافق عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية وأخرى يسيرها أشخاص طبيعيون. ومنها كذلك مجانية و أخرى مؤدى عن خدماتها. وتبقى الغاية من وجودها هي تحقيق الأهداف الاقتصادية والتنموية. لكن، ونظرا لتزايد وعبئ التكاليف، أصبح يطرح أكثر من سؤال حول حدود العلاقة بين الحق في الخدمة العمومية والمساهمة فيها كشكل من أشكال الديمقراطية. ومن هنا فللمواطن مجموعة من الحقوق، وإلزام موظفي الإدارات العامة بقانون سلوك محدد كمعاملة المواطنين على قدم المساواة والحرص على تعلبل القرارات الإدارية لاسيما السلبية منها…وفي مقابل ذلك عليه-أي المواطن- واجبات اتجاه الخدمة العمومية من قبيل التقيد بأنظمة القوانين الإدارية المعمول بها ومعاملة موظفي الإدارات باحترام والقيام بدفع الرسوم لتوفير مستلزمات المرفق العمومي والمساهمة الإيجابية في توعية المواطنين وأطيرهم لتسهيل العمليات الإدارية…..
هذه الديمقراطية التشاركية، التي تعتبر ممارسة جديدة في التجربة المغربية، كانت ، إلى عهد قريب جزءا من اللا مفكر فيه بسبب الصراع والخوف الذي كان يطبع العلاقة بين الفاعلين السياسيين بالسلطة حول تدبير الشأن العام، قبل أن ينفتح المغرب بسبب الظروف الإقليمية والدولية(انهيار المعسكر الاشتراكي…)على مبادئ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها في المواثيق الدولبة ( من خلال مواد دستور 1996). على إلا أن الحراك و النقاش العمومي الذي رافق حركة 20 فبراير والخطاب الملكي ل 9مارس 2011 يعتبر حدثا تاريخيا لكونه عزز هامش هذه المفاهيم و وسع من دائرة الديمقراطية التشاركية لتشمل كل القوى المؤثرة في صنع القرار داخل المغرب.
ورغم بعض مظاهر الخلل التي يمكن رصدها في علاقة المواطن بالمرفق العمومي كغياب التواصل وضعف الحوار الذي يؤدي، في بعض الأحيان، إلى مظاهر الاحتجاج والاحتقان وعدم الرضا على الخدمات المقدمة، و كذلك تعقد المساطر والإجراءات الإدارية وغياب النصوص القانونية المؤطرة لفكرة مشاركة المواطنين في تأهيل المرافق العمومية..؟! إلا أن صور المشاورة والتأثير في الفعل العمومي تجلت بوضوح من خلال فصول الدستور الجديد، حيث يمكن التقاط عدة إشارات لدور المواطن في المشاركة في تحديث المرفق العمومي، وبالتالي تشكل المرافق العمومية ( كما ينص على ذلك الفصل 89 ) حجر الزاوية في البرامج الحكومية سواء عبر إنشاءها أو تطويرها وإصلاحها .في هذا الصدد تأتي أهمية السياسات الحكومية التي تجعل من المرافق العمومية الأساسية منطلقا لقياس درجة قربها من تطلعات المواطنين وطموحاتهم المشروعة في التوفر على مرافق عمومية تتسم بسياسة ” القرب “politique de proximité ” و تعزيز الحكامة الجيدة. فإلى جانب المساواة والإنصاف والاستمرارية وهي مبادئ يقوم عليها المرفق العمومي، فدور المواطن يعتبر حجر الأساس في الرقي بمعايير الجودة والشفافية؛ فدور المواطن/ الموظف يتمثل في مساهمته إلى جانب رؤسائه في اتخاذ القرار للوصول إلى خدمات أكثر فاعلية وجودة كلك دفاعه عن المصلحة العامة بالتزامه باحترام القانون و المساواة في التعامل مع المرتفقين والابتعاد عن الشطط(الفصل 155). كما أن للمواطن/المرتفق دورا في تحسين جودة الخدمات المرفقية وذلك بالإنصات إليه وتقبل آرائه وملاحظات التي قد تكون ، بحكم التجربة والممارسة، مفيدة في إثارة الانتباه حول سلوك أو أداء خدمة. وينص الفصل 156 على مساهمة المواطن بإبداء فكرة جديدة للتطور والإبداع وتحسين الأداء و الالتزام بالأخلاق و اعتبار خدمة المواطن عملا مجتمعيا و امتلاك روح المسؤولية و احترام حقوق المواطن تجسيدا لصور التضامن لتحقيق تنمية البلاد. وهذا لن يتأتى دون تفعيل المحاسبة، تفعيلا لمقتضيات الدستور، منها السياسية (الانتخابات) والشعبية المتمثلة في حضور المجتمع المدني وتتبعه للشأن العام وتقييمه لسياسات المتبعة وتجاوزه للإكراهات السوسيو-ثقافية المتمثلة في سياسة الإقصاء التي كانت تنهجها الدولة. ومن خلال المبادئ والمفاهيم التي تضمنتها الوثيقة الدستورية يمكن رصد الإجراءات المصاحبة للفعل التشاركي، حيث جعلت من الإشراك الفعلي للمواطن في صنع و تقييم السياسات العمومية أمرا ذو غاية وأهمية لأن مضامين الإصلاح هي كل لا يتجزأ،فهي تشكل نسقا مترابطا تعزيزا للرغبة الأكيدة في الإصلاح اعتبارا للظروف الإقليمية والدولية التي تفرض على المغرب، في عصر التكنولوجيا والانفتاح على العالم، بذل مجهودات كبيرة. فدمقرطة المجتمع ومأسسة آليات اشتغاله من المظاهر الجوهرية لتحقيق التنمية الإدارية مما يقتضي تهيئ الفضاء العمومي القادر على تأمين الاختلاف و الالتزام باحترام الحقوق والحريات وترسيخ مبدأ المساءلة. إن المصير المشترك والمواطنة الحقة لا يمكن أن تتحقق دون تفعيل مفهوم الحكامة كآلية لإصلاح المرفق العمومي، و بالتالي تعزيز الكفاءة والفعالية والشفافية في تقديم الخدمات للمواطنين.
أي دور للمواطن في تحديث المرفق العمومي؟







