بعد مرور أزيد من سنتين على إلحاق المراكز الجهوية للاستثمار (CRI) بالوصاية المباشرة لرئيس الحكومة، وما رافق ذلك من طموحات لرفع “البلوكاج” عن المشاريع الكبرى، تكشف المعطيات الحصرية التي استقتها “نيشان” من كواليس المجالس الإدارية لهذه المراكز عن حصيلة “رمادية” تثير الكثير من التساؤلات حول جدوى الإصلاح الهيكلي الأخير.
فرغم لغة الأرقام الرسمية التي تتحدث عن تقليص الآجال المتوسطة لمعالجة ملفات الاستثمار إلى أقل من 9 أيام، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن “عقدة” الاستثمار لم تُحل بقدر ما “تغير عنوانها”، لتتحول هذه المراكز في كثير من الجهات إلى مجرد “علب بريد” متطورة أو ملحقات إدارية تفتقر لسلطة القرار الحقيقي أمام تغول المصالح الخارجية للوزارات.
المعطيات الصادمة التي حصلت عليها “نيشان” تشير إلى أن أزيد من 40% من المشاريع التي حصلت على “الموافقة المبدئية” من اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار في سنة 2025، ما زالت تراوح مكانها بسبب “فيتو” الإدارات القطاعية، خاصة في ملفات العقار الفلاحي والتعمير.
وفي اتصال لـ “نيشان” بأحد المقاولين الشباب بجهة الدار البيضاء-سطات، أكد بمرارة أن “الشباك الوحيد” الذي وعدت به الحكومة تحول إلى “متاهة وحيدة”، حيث يجد المستثمر نفسه مجبرا على استصدار موافقات موازية من وكالات الحوض المائي أو مصالح المحافظة العقارية، وكأن المركز الجهوي للاستثمار لا يملك سلطة الحل والربط التي نص عليها قانون 47.18.
وترى مصادر مطلعة، أن “الخطيئة الأصلية” في نموذج المراكز الحالي تكمن في غياب “الاستقلال الوظيفي” الفعلي عن المركزية الإدارية بالرباط. فبالرغم من منح الولاة رئاسة اللجان الجهوية، إلا أن القرار الاستثماري ظل رهينا بـ “التأشيرة” التقنية لموظفين في العاصمة لا يدركون خصوصيات الميدان.
هذا الوضع أدى إلى خلق نوع من “البيروقراطية الرقمية”؛ حيث يتم قبول الملفات إلكترونيا بسرعة فائقة لـ “تجميل” الإحصائيات التي تعرض أمام رئيس الحكومة، بينما تظل “العرقلة الحقيقية” مخبأة في تفاصيل “دفاتر التحملات” التعجيزية التي تفرضها الوزارات الوصية بعيدا عن أعين منصة “CRI-Invest”.
وتؤكد المصادر ذاتها، أنه في كواليس وزارة الاستثمار والالتقائية وتقييم السياسات العمومية، تروج تقارير “سوداء” حول تفاوت أداء المراكز بين جهات المملكة؛ حيث نجحت مراكز (طنجة-تطوان-الحسيمة) و(أكادير) في التحول إلى محركات حقيقية، بينما غرق آخرون في مستنقع “التدبير اليومي” لطلبات البقع الأرضية في المناطق الصناعية، مما حولها إلى “ملحقات عقارية” هدفها توزيع الأراضي لا جلب الاستثمارات المنتجة للقيمة المضافة.
وترى المصادر، أن الرهان اليوم، وعلى بعد أسابيع قليلة من شتنبر2026، يتجاوز “رقمنة المساطر” نحو “رقمنة العقليات”، مشيرة الى أن “المستثمر المغربي والأجنبي لم يعد يبحث عن “تسهيلات إدارية” بقدر ما يبحث عن “أمن قانوني” و”سرعة تنفيذ”.
في المقابل، تؤكد المصادر نفسها، أنه إذا استمرت المراكز الجهوية في لعب دور “الوسيط اللطيف” بدلا من “صاحب القرار الصارم”، فإن “ميثاق الاستثمار” الجديد سيبقى مجرد نص قانوني أنيق يفتقر لأدوات التنزيل على أرض الواقع، مما يهدد بتبديد الزخم الاستثماري الذي يحتاجه المغرب في أفق تنظيم “مونديال 2030”.







