حينما خرج عثمان “سونكو”، الوزير الأول السنغالي أول أمس الجمعة، متحدثاً عن “55 دولة في أفريقيا”، لم يكن يلقي درساً في الجغرافيا السياسية بقدر ما كان يرمي حجراً ثقيلاً في مياه العلاقات “المغربية السنغالية” التي كانت، إلى وقت قريب، تتسم بصفاء “الاستثناء”.
هذا الرقم، “سيكونط سانك” (55)، أو لنقل “سيكونط سونكو”، قد يبدو “تقنيا” للوهلة الأولى، لكنه في السياق القاري يمثل “لغماً دبلوماسياً” صريحاً؛ فإقحام كيان لا يعترف به المغرب في عداد الدول الأفريقية، وفي هذا التوقيت المشحون، ليس مجرد زلة لسان، بل هو تعبير عن “براغماتية خشنة” بدأت ملامحها تتشكل في دكار مع وصول النخبة الجديدة للسلطة؛ وهي نخبة لا ترى في التاريخ والروابط الروحية صكاً مفتوحاً لتجاوز الحسابات السيادية الضيقة، حتى وإن كانت تتعلق بـ “جلد منفوخ” وتنافس رياضي.
لقد وقعت دكار في فخ الخلط بين “انفعال الملاعب” و”ثبات المواقف السيادية”. فمن المؤسف أن نرى بلداً بحجم السنغال، يمتلك قنصلية في الداخلة ويُعد الحليف الأقوى للرباط، يلوح بتبني “راديكالية رقمية” في القارة لمجرد خلاف حول نهائي قاري. هذا النوع من “الابتزاز الرياضي” ـ إن صحت التسمية ـ لا يليق بدولة مؤسسات، ويحيلنا مباشرة إلى خلفية الرئيس “باسيرو ديوماي فاي” ورفيقه سونكو، اللذين صعدا من رحم معارضة راديكالية لا تتردد في مراجعة المسلمات الدبلوماسية، كنوع من إثبات الاستقلالية عن الإرث التقليدي.
لكن في المقابل، هل نجا المغرب من فخ التصعيد؟ الحقيقة أن الرباط، بذهابها بعيداً في سلك المساطر القانونية وتجريد السنغال من اللقب عبر قرار “الكاف” الاستئنافي، مارست حقاً قانونياً مشروعاً، لكنها ربما لم تقدر كفاية حجم “الانفجار العاطفي” لدى شعب يرى في كرة القدم كرامة وطنية تفوق السياسة. فالتصعيد القانوني، وإن كان منصفاً تقنياً، قد يتحول في حسابات الربح والخسارة الاستراتيجية إلى “انتصار بطعم العلقم” إذا ما أدى لشرخ في جدار الحليف الأوفى.
وعليه، بات المغرب اليوم مطالباً بذكاء يتجاوز نصوص المادة 82 من قوانين “الكاف”؛ إذ تقتضي الحكمة ألا يُترك الفراغ لخصوم الوحدة الترابية لاستغلال هذا الشقاق العابر. وبمجرد صدور قرار محكمة التحكيم الرياضي (CAS)، سواء كان لصالح المغرب أو ضده، وجب على الدبلوماسية المغربية أن تبادر بخطوة “احتواء كبرى” لا تمر عبر القنوات الرسمية الجافة فحسب، بل عبر تعزيز الروابط الإنسانية والروحية التي لطالما كانت صمام الأمان.
ويبقى استمرار القنصلية السنغالية في الصحراء هو الأصل، وما قاله سونكو ليس إلا فرعاً متأثراً بضغط الشارع الرياضي. لذا، لا يحتاج المغرب لتفسيرات حول رقم “سيكونط سانك” أو “سيكونط سونكو”، بقدر ما يحتاج لإعادة تذكير دكار، بلغة المصالح المشتركة والوفاء التاريخي، أن الألقاب تذهب وتأتي، بينما “العمق الأطلسي” والتحالفات الكبرى هي التي تبني المستقبل. الخوف ليس من ضياع كأس، بل من ترك “ذئاب السياسة” في القارة يرقصون على جراح مباراة كرة قدم، لتمزيق ما بُني في عقود من الدبلوماسية الهادئة.







