مرت إلى الآن خمس سنوات على إعلان اللجنة الملكية لتصورها بشأن النموذج التنموي الجديد.
نموذج كان يُفترض أن يُحدد مسار السياسات العمومية ومستقبل المغرب والمغاربة في أفق سنة 2035.
اليوم، يمكننا — وبكل موضوعية — القول إن هذا النموذج تحول إلى مجرد نوايا حسنة جاءت في سياق يعلمه الجميع.. وتم التخلي عنها في أقرب فرصة لنغرق في نكسة اتخذت أكثر من عنوان.
تقرير النموذج التنموي أتى على شكل تشريح دقيق لنسبة محترمة من الأعطاب التي تحرم المغاربة والمغرب من فرص التنمية الحقيقية والعيش الكريم.
أعطاب مزمنة تحول دون وضع البلد على سكة الديمقراطية والإصلاح، باعتبار أن عمل اللجنة جاء بعد إقرار أعلى سلطة في البلاد بفشل النموذج التنموي الحالي، وبعد تساؤلات همّت “الثروة” والجدوى من وجود عدد من المؤسسات والمسؤولين، قبل أن نفيق اليوم، وبعد مرور خمس سنوات، على مغرب يسير بسرعتين، بل وعلى خُطة جديدة ستضع مصير التنمية الترابية بيد حزب غير معلن.
210 مليار درهم (21 مليار دولار) التي ستوضع رهن إشارة الولاة والعمال لضبط مسار التنمية الترابية على امتداد ثماني سنوات، تطرح سؤالًا مباشرًا حول جدوى الأحزاب والانتخابات و إرادة المواطن.
كما تكشف مدى العطب الذي يجعل بوصلتنا عاجزة في كل مرة عن تحديد المسار، بعد أن تدحرجنا عبر عدد من الخطط والمشاريع والتصورات التي انتهت بنا إلى احتجاجات جيل زيد، بعد أن جربنا قبلها احتجاجات الريف.
إطلاق يد الولاة والعمال ومنحهم مزيدًا من الصلاحيات التي سيتم قضمها من المجالس الجماعية، وإن كانت وصفة تراهن على السرعة والنجاعة والفعالية، فإن لها آثارها الجانبية الكثيرة والمؤذية.
لن نعود لسياق الحكامة الغائبة عن تدبير الولاة والعمال الذين يتمتعون بحصانة لا توجد في أي نص قانوني، فقط لأنهم معينون من طرف الملك.
ولن نتحدث عن أعطاب وفضائح المبادرة البشرية التي تحولت إلى بقرة حلوب صنعت ثروات لعدد من الأسماء بتزكية من مسؤولين في السلطة، كما تم استخدامها في تدجين المجتمع المدني.
المبادرة، وبعد أن التهمت مئات المليارات، عوض أن تخلق التنمية، قامت بمأسسة ريع يحظى برعاية رسمية.
“حزب الولاة والعمال” الذي سيتحكم في “فرملة” مغرب بسرعتين هو عنوان صريح على أن السلطة صارت اللاعب الوحيد في المشهد..
فبعد أن فشلت وصفة خلق حزب عبر أكثر من محطة، وبعد أن صار المشهد السياسي تابعًا وأليفًا وعبثيًا ولا يحتمل إعادة إنتاج نفس الخطة، تم الانتقال إلى مستوى جديد.
جاء ذلك عبر منح الولاة والعمال مفاتيح التسيير، وجعل المجالس الترابية التي يفترض فيها إنتاج النخب عبارة عن غرف تصفيق ومصادقة، في تناقض تام مع كل ما جاء به النموذج التنموي وما فاض من عشرات التقارير التي صدرت عن مؤسسات رسمية ودستورية.
لقد كان تقرير النموذج التنموي تجميعًا شاملًا وأكثر تفصيلًا لعدد من التشخيصات التي صدرت في وقت سابق عن مؤسسات رسمية دقت بدورها ناقوس الخطر، وحذّرت من أن الوقت ينفد منا، وأن الاستمرار في لعب دور الإطفائي وعلاج الأزمات بـ”الأسبرين” لم يعد ينفع.
اللجنة بذلت جهدها وخرجت بعدد من الحلول والتصورات التي يُفترض أن جزءًا منها وجد طريقه إلى التنزيل، لكن لم يحدث ذلك بعد أن تم إهمال التحدي الأساسي المتمثل في توفير أرضية سياسية صلبة لذلك.
هذا التحدي كان يحتاج أساسًا إلى إرادة حقيقية من طرف الدولة لإحداث انفراج يبدد المخاوف المتنامية التي تحدث عنها التقرير، واسترجاع الثقة التي تأكد أعضاء اللجنة أن رصيدها شبه مفلس، سواء تجاه مؤسسات الدولة أو مؤسسات الوساطة من أحزاب ونقابات.
مؤسسات قال التقرير إنها بحاجة إلى استرجاع مصداقيتها قبل أن نغرق في القاع والحضيض مع حكومة عمّقت الاختلالات القديمة، قبل أن تفيق الدولة من جديد، وتنتبه لصفير طنجرة الضغط المتصاعد مع احتجاجات خلقت لنا جيلاً جديدًا من المعتقلين.
الأجواء السائدة حاليًا، والطريقة التي تُدبّر بها عدد من الملفات، والاتجاه الذي تسير إليه الانتخابات المقبلة بعد قانون الكمامة الذي جاءت به وزارة الداخلية، يعطي انطباعًا مقلقًا، ويؤكد أن وقت التغيير في العقليات والممارسات الذي دعا له والي بنك المغرب لم يحن بعد بل ولم يعد مرغوبا فيه.
واقع يفسر كيف تحول تقرير اللجنة لمجرد نوايا طيبة، في ظل غياب إرادة الدولة.. واستمرار الدفع بنخب تسعى بكل شراسة لتحصين الفساد، وتشييد المزيد من قلاع الريع والاحتكار، وهدم ما تبقى من تعليم عمومي، ونسف منظومة القيم وأسس المجتمع، عبر دعم رسمي وسخي للتفاهة والابتذال، متناسية أن “الوقت أصبح يلعب ضدنا”…
الوقت لا يرحم…







