في ظل التقلبات المتصاعدة التي تضرب عمق التحالف الاستراتيجي بين ضفتي الأطلسي، و الشكوك المتزايدة حول استدامة الالتزامات الأمريكية تجاه أمن القارة العجوز، بدأت مدريد في نهج مسار دبلوماسي يتسم بـ “الاستقلالية الاستراتيجية”.
هذا التحول ليس مجرد مناورة سياسية عابرة، بقدر ما هو إعادة صياغة هادئة للعلاقات الدولية الإسبانية، بحيث تهدف مدريد إلى إيجاد موطئ قدم أكثر توازناً بعيداً عن الوصاية التقليدية لحلف الناتو والولايات المتحدة.
في هذا الإطار، تأتي زيارة رئيس الوزراء الإسباني “بيدرو سانشيز” الأخيرة إلى بكين —وهي الرابعة له في ظرف أربع سنوات— لتكرس واقعا جديدا؛ فالصين اليوم هي الشريك الاقتصادي الثاني لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي، وتسعى مدريد من خلال هذا التقارب الاقتصادي إلى تحقيق هدفين حيويين إثنين:
جذب الاستثمارات وتعزيز تدفق الرساميل الصينية التي بلغت نحو 643 مليون يورو العام الماضي.و تعديل الميزان التجاري، مع محاولة تقليص العجز الضخم الذي قفز إلى نحو 50 مليار يورو، في وقت باتت فيه بكين ثاني أكبر مستثمر في سندات الديون الإسبانية.
ورغم هذا الصعود، تظل الأرقام الصينية متواضعة أمام الهيمنة الأمريكية؛ حيث تمثل الاستثمارات الأمريكية 16% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في إسبانيا، مقابل 0.8% فقط للصين، مما يعكس عمق الجذور الاقتصادية التاريخية لواشنطن.
لقد شكلت السياسات المتقلبة للإدارة الأمريكية، خاصة خلال الولاية الثانية لترامب وما تبعها من فرض رسوم جمركية وتهديدات بقطع الروابط التجارية مع الشركاء التقليديين، دافعاً قوياً للأوروبيين لإعادة تقييم العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن.
وقد تجسد هذا الشرخ بوضوح في موقف حكومة سانشيز الرافض للانخراط في الصراعات العسكرية الأمريكية، حيث أغلقت مدريد مجالها الجوي أمام الطيران العسكري الأمريكي ومنعت استخدام قواعدها العسكرية في الجنوبي الإسباني للدعم اللوجستي إبان التوترات مع إيران، مما أثار حفيظة واشنطن وعزز القناعة الإسبانية بضرورة البحث عن شركاء أكثر توازناً.
يطرح هذا المسار تساؤلاً جوهرياً: هل تسعى مدريد الى مزيد من التقارب مع الشرق ، هل هو خيار اقتصادي محظ؟ أم أنه مدفوع بتقلبات الولايات المتحدة ، و هل يُصبح التقارب الاقتصادي مع بكين رافعة كافية لتحويل العلاقات الاقتصادية إلى شراكة أمنية وعسكرية فعلية؟ وهل تصبح الصين خياراً متاحاً لمظلة أمنية مع إسبانيا وبالتالي مع أوروبا ؟
من الناحية الواقعية، لا تبحث إسبانيا حالياً عن “مظلة عسكرية” صينية بالمعنى التقليدي، لكنها تنظر إلى بكين كرافعة محتملة لتعزيز استقلاليتها الدفاعية في حال تفكك الناتو. ومع ذلك، يظل هذا السيناريو محفوفاً بالمخاطر، فلا توجد حتى الآن أي اتفاقيات دفاعية رسمية بين البلدين، ومدريد تدرك جيداً كلفة “إطلاق النار على ساقيها” عبر القطيعة مع واشنطن.
علاوة على ذلك، يصطدم هذا التقارب بتناقضات جيوسياسية حادة؛ فرغم التقاطع في مواقف معينة كإدانة التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، إلا أن فجوة عميقة تفصل الطرفين في ملفات أوكرانيا وتايوان وقضايا الديمقراطية.
كما تتبنى إسبانيا آليات رقابة صارمة على التكنولوجيا الصينية، مدفوعة بمخاوف أمنية تتعلق بالتهديدات السيبرانية والهجمات الهجينة.
وفي سياق هذا التحول، يبرز معطى إقليمي هام، إذ إن أي تراجع للنفوذ الأمريكي في إسبانيا قد يدفع واشنطن لتعزيز ارتكازها في الضفة الجنوبية للمتوسط عبر تمتين شراكتها مع المغرب، الحليف الاستراتيجي القوي من خارج الناتو، مما يغير موازين القوى الإقليمية بشكل جذري.
ختاماً، يبقى مستقبل هذه العلاقات الثلاثية (الصين-إسبانيا-أمريكا) المعقدة رهيناً بقدرة إسبانيا وأوروبا على بناء قدرات دفاعية ذاتية في عالم متعدد الأقطاب.
وسواء ظل التقارب مع الصين محصوراً في الإطار التجاري أو تطور لتعاون أمني أعمق، فإن مدريد تحاول الموازنة بين واقعية المصالح الاقتصادية مع الشرق وحتمية الالتزامات الجيوسياسية مع الغرب، تفادياً لتصعيد قد يضع أمنها القومي في مهب الريح .







