تختفي خلف الفقرة الأخيرة من البلاغ الذي يختم به المجلس الحكومي أشغاله كل أسبوع حرب شرسة حول كعكة التعيينات في المناصب العليا.
مناصب شهية أصبحت محط صراع لا يفوز به في حالات عدة إلا من كانت له “كالة” تدافع عنه، أما معايير الكفاءة والاستحقاق فهي كلمات لا تساوي في هذه “الحلبة” حتى ثمن المداد التي كُتبت به كما حصل بعد فضيحة الوزير السعدي.
الفضيحة كانت دليلاً واضحاً، على أن حروب “التبليص” جارية على قدم وساق، وأن التعيينات التي تهم المناصب العليا وغيرها ليست عملية لضخ نخب وكفاءات جديدة، بقدر ما هي معركة يختلط فيها الكثير من الريع الحزبي، وتتداخل فيها مصالح بخلفيات ومستويات متباينة من أجل التحكم في عدد من المؤسسات.
كما أن منطق “الوزيعة” الحالي يتناقض تماماً مع المعايير الحكومية التي قيل إنها وُضعت من أجل ربط إسناد المسؤوليات بالاستحقاق.
تكفي إطلالة صغيرة على أسماء تسللت إلى لائحة التعيينات في المناصب العليا للاقتناع بأن الأمر يُحسم في النهاية لمن له “أمه في عرس الحكومة”، أو من له قائمة معارف وأصدقاء نافذين، وهو ما يفسر لنا كيف أن مسؤولين كل حصيلتهم كانت الفشل والفضائح، قد تمكنوا من العودة إلى مؤسسات تُدبَّر الملايير، بعد أن خرجوا من مغارة التعيينات وفي يدهم غنيمة المنصب باردة، لأن الحسم تم سلفاً.
الغريب أن كعكة هذه المناصب لا تنتهي، ودائماً يخرج المجلس الحكومي بقائمة جديدة تجعلنا نطرح سؤال الجدوى، والقيمة المضافة لهذه التعيينات، ولهؤلاء المسؤولين الذين سيستفيدون طبعاً من رواتب سمينة، وتعويضات وامتيازات سخية. هذا دون أن يجدوا من يسائلهم عن الحصيلة، في بلد لا يزال متردداً في ربط المسؤولية بالمحاسبة لحكمة لا يفقهها إلا الضالعون في العلم.
الحكومة الحالية تتعامل اليوم مع المناصب العليا مثل كعكة كبيرة وشهية يتعين “سرطها” بسرعة قبل موعد الانتخابات.
حلوى تُفضل تقاسمها مع حلفائها وفق حالتهم النفسية، ووفق منطق “عطيني نعيطك”، وسياسة “باك صاحبي” التي عادت للواجهة من خلال أحد التعيينات التي ذُيّل بها آخر اجتماع للمجلس الحكومي، بعد أن وُزعت الكعكة على أزيد من 1400 اسم إلى الآن.
لقد سبق لمصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، أن قال إن تعيينات الحكومة في المناصب العليا غير خاضعة لمنطق “المصالح”، وليست عملية ميكانيكية، وأن الحكومة تخضع للقانون وتتقيد بمقتضياته،قبل أن يفتح باباً آخر لفراقشية المناصب حين أكد أن القانون أعطى للحكومة إمكانية التمديد للأشخاص في مناصبهم.
رواية بايتاس، لا نشك فيها فقط…. بل نعتبرها باطلاً مبيناً، أخذاً بعين الاعتبار ما ورد في التعيينات الأخيرة من فضائح مكتملة الأركان…
قبل ذلك عاينا كيف أن الأسماء التي عُيّنت إما راكمت الفشل في قطاعات أخرى، وسبق أن أُعفيت.
أو لاحقتها فضائح واختلالات كثيرة لم تمنعها من العودة مجدداً لتحصل على قضمة جديدة من كعكة ضاقت دائرتها لتصبح محصورة بين من يدين بالولاء لبعض القيادات الحزبية.
واقع حاول وزير سابق تبريره بدعوى أن “التحزب ليس جريمة في التعيين في المناصب العليا”….
لقد عشنا فضائح بالجملة قامت على أساس “عطيني نعطيك”، كان أبطالها مسؤولون كبار ووزراء.
وشهدنا كيف أن بعض التعيينات مُنحت كهدايا من الضيعة.
تعيينات تبين أن بصمات المجاملة والولاءات والتحزب والريع حاضرة فيها بكل ألوانها…
تهمة ستظل تلاحق حكومة أخنوش …
كما أنها، وللموضوعية، عدوى تصيب كل الحكومات…
يكفي أن الحكومة السابقة فضلت عدم التجاوب مع طلب إحداث لجنة تقصي الحقائق للبحث في الأسماء المعينة، وعلاقتها بأحزاب الأغلبية، ومدى كفاءتها….







