بينما كان أمين التهراوي، وزير الصحة والحماية الاجتماعية، يفكك الأسبوع المنصرم طلاسم الأرقام أمام مستشاري الأمة، معلناً عن “ثورة” وشيكة في خارطة العلاج بالمغرب عبر تفعيل ست مجموعات صحية ترابية بحلول خريف 2026، كانت الأسئلة الحارقة تتجاوز لغة الأرقام الرسمية لتطرح علامات استفهام كبرى حول الجدوى العميقة من هذا التحول الهيكلي.
وترى مصادر مطلعة أن الإعلان عن دخول خمس مجموعات حيز التنفيذ دفعة واحدة، بعد ما وصفه الوزير بـ”نجاح” تجربة جهة الشمال، لا يمثل مجرد انتقال إداري في تدبير المستشفيات، بل هو إعادة هندسة شاملة لمفهوم “الدولة الراعية” في قطاع ظل لعقود يشكل الثقب الأسود في الميزانيات العمومية. وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام قراءات متباينة ترى في “الجهوية الصحية” سيفاً ذا حدين؛ فإما أن تكون طوق نجاة من بيروقراطية الرباط، وإما أن تشكل بداية لمسار “تفتيت” المسؤولية المركزية تمهيداً لانسحاب تدريجي للدولة من عبء التمويل المباشر.
وتفيد مصادر نقابية لـ”نيشان” بأن هذا التحول قد يحمل في طياته “مخاطرة كبرى” تتعلق بنقل الصلاحيات المالية والإدارية من المركز إلى جهات قد لا تتوفر جميعها على نفس الإمكانيات اللوجستية أو الكفاءة التدبيرية.
ورغم أن التهراوي تفاخر بارتفاع عدد الاستشارات الطبية في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة بنسبة 11%، وتحسن ولوج ساكنة العرائش للخدمات الصحية بنسبة فاقت 60%، فإن المصادر تنظر إلى هذه الأرقام بحذر، معتبرة أنها “واجهة براقة” قد تخفي وراءها تعميقاً للفوارق المجالية بين جهات قادرة على جذب الاستثمارات والأطر، وأخرى قد تتحول مجموعاتها الترابية إلى “جزر معزولة” تعاني من خصاص مزمن. وهو ما يجسد مخاوف من تحول هذه المجموعات إلى “مستنقعات مالية” عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها بعد فك الارتباط الإداري مع الرباط.
في المقابل، ترى المصادر ذاتها أن الرهان على “الاستقلال المالي” للمجموعات الصحية الترابية ليس سوى وجه آخر لـ”خوصصة ناعمة” أو “مقاولاتية” للمرفق العام. فبموجب القانون الجديد، ستتمتع هذه المجموعات بصلاحيات واسعة في تدبير مواردها البشرية وماليتها، وهو ما يثير قلقاً وسط الشغيلة الصحية بشأن مصير “صفة الموظف العمومي”.
ورغم تطمينات الوزير بخصوص استمرار الحوار وضمان الاستقرار المهني، فإن المعطيات الواردة من الميدان تتحدث عن ارتباك في تدبير المرحلة الانتقالية، لا سيما في ظل غياب نصوص تنظيمية واضحة تحمي الحقوق المكتسبة للأطر الطبية والتمريضية عند انتقالها من وصاية الوزارة إلى وصاية “المجموعات”.
وترى المصادر أن الدولة، عبر هذه الهيكلة، ترمي بكرة اللهب في حجر الجهات، بحيث يصبح مدير المجموعة الصحية هو “المسؤول الأول” عن أي فشل في تقديم الخدمة، بما يخفف الضغط السياسي المباشر عن المركز.
وعلى الصعيد التقني، تطرح إشكالية “الانسجام الضريبي والتمويلي” نفسها بقوة؛ إذ ستجد المجموعات الصحية نفسها مطالبة بتدبير ميزانيات ضخمة ناتجة عن اشتراكات التغطية الصحية الإجبارية ومداخيل الخدمات، وهو ما يتطلب كفاءات إدارية متخصصة تتجاوز التكوين الطبي إلى التسيير المالي الصارم.
وتخشى مصادر من داخل القطاع أن يؤدي هذا الاستقلال المالي إلى سباق نحو “الربحية” على حساب “الخدمة الاجتماعية”، حيث قد تضطر بعض المجموعات، تحت ضغط التوازنات المالية، إلى تقليص الخدمات غير المربحة أو تركيز الاستثمار في المراكز الحضرية الكبرى، بما قد يعمق عزلة المناطق القروية والجبلية.
ووفقاً للمصادر نفسها، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه المشروع لا يكمن في عقد المجالس الإدارية أو تعيين المديرين، بل في ضمان ألا يتحول “تقليص المواعيد” الذي وعد به الوزير إلى “سراب” بمجرد اصطدام المجموعات الجديدة بواقع الديون المتراكمة ونقص الموارد البشرية.
وبين خطاب رسمي يبشر بنهاية زمن “المركزية الخانقة” وتحسن مسارات التكفل بالمرضى، وهواجس مهنيين يتخوفون من “التخلي” عن القطاع العام، يقف المواطن المغربي مترقباً خريف 2026. فإذا نجحت هذه المجموعات في تحويل الاستقلال المالي إلى رافعة لتحسين العرض الصحي واستقطاب الأطر، فسيُحسب ذلك للوزارة.
أما إذا غرقت في اختلالات التسيير وعجز الميزانيات، فإننا سنكون، وفقاً للمصادر، أمام “تفتيت للمسؤولية” يوزع الفشل على الجهات بدل معالجته مركزياً، بما قد يحول الإصلاح إلى مجرد “هروب إلى الأمام” في انتظار أزمة أكثر حدة.
وستشكل الأسابيع المقبلة، وما ستفرزه الاجتماعات الأولى للمجالس الإدارية لهذه المجموعات، مؤشراً حاسماً على ما إذا كان المغرب أمام “نهضة صحية جهوية” أم مجرد إعادة ترتيب لواجهة منظومة تعاني اختلالات بنيوية عميقة.







