وجب الاعتراف بأن الكثير منا سمع احتجاج الخروف على اخضاعه لما يسمونه بقانون العرض والطلب. أكد الخروف أنه ولد بالمغرب ونشأ وترعرع في أحضان سهوله وجباله، ولم يتم إطعامه بما يتوفر لدى الأغنياء من سلمون وكافيار وسلطات مستوردة، وطالته سنوات الجفاف ليكتفي بحشائش شعبية بمنطق الخرفان.
صاح بأعلى ما يمتلك من ” ثغاء” أن لا علاقة له بحروب أوروبا والشرق الأوسط، وأنه لم يسمع بمضيق هرمز الا من خلال شبكات التواصل الحيواني. ورفض قطعيا أن تتم مقارنة صيغة تحديد سعره بتلك التي تسود أسواق الذهب والبترول. يؤكد أنه مجرد خروف تتقاذفه أيدي تجار، وشناقة، لم يعرف وجوههم ولا أشكالهم منذ أن رأى النور في ضيعة صغيرة مع إخوة له فرقت بينهم السبل.
يعرف جميع المهتمين بأمور الأسواق أن ” العرض والطلب” يساهم في تحديد سعر السلع والخدمات. ويظل الاستثناء هو ذلك القانون الذي يحدد الأسعار في بعض الدول ذات التوجه الاشتراكي. ويظل مغربنا يسير في اتجاه تغليب “قانون السوق” في تحديد أسعار كل السلع، باستثناء، عدد قليل جدا منها. وكانت القاعدة هي تلك التي تم اعتمادها منذ قانون الأسعار لسنة 1971 الذي تم بموجبه تقنين أسعار 172 فئة من الخدمات والمواد كما أشارت إلى ذلك إحدى دوريات وزارة المالية. وقد شملت هذه المواد السكر والزيت والاسمدة والمواد الطاقية وبعض الصناعات. وقد عرف تدخل الدولة في تحديد الأسعار تراجعا في بداية سنة 1982 حين قبلت الحكومة، آنذاك، شروط المؤسسات المالية الدولية، والتي كانت، ولا زالت، ترتكز على “حرية الأسعار” وربطها بالحد من تدخل الدولة في تدبير الاقتصاد.
وقد كان لهذه الفترة أثر كبير على تدهور عدة قطاعات اجتماعية، وخصوصا منها، قطاعي الصحة والتربية والتعليم. وزادت الفجوة بين المواد الخاضعة ” لقانون السوق” حدة، لتتراجع لائحة السلع والخدمات التي يحدد سعرها القانون إلى 15 منتوج وخدمة. نتج عن هذا الوضع الذي فرضه قانون حرية الأسعار والمنافسة لسنة 2000 عدة اختلالات مست القوة الشرائية للفئات الاجتماعية ذات الدخل المحدود.
و يبين سعر الخروف والبنزين والفواكه والخضر وأسعار العقار أن قانون حرية الأسعار والمنافسة خدمت كثيرا اقلية على حساب الأغلبية الكبرى للمواطنين المغاربة. لا يمكن أن نستغرب كثيرا لما وصل إليه الخروف، دون اذنه، من مستويات خرافية لأسعاره. يتساءل الخروف، قبل المواطن، عن سبب إرتفاع سعره. يقول، بلغة الخرفان، أن لا شيء تغير في تغذيته وظروف نومه ونوعية تسمينه .
وسيظل السؤال “الخرفاني” هو هذا السعر الذي فرضه ” الفراقشية ” طيلة سنتين. ووصل موعد عيد الأضحى ليؤكد أن قوانين حرية الأسعار لا علاقة لها بالسوق. قيل أن شيخ الخرفان وصلته معلومة دعمه بملايير الدراهم لكي يدخل منازل محدودي الدخل، وكافة الأسر في وضعية هشاشة، دخل في حالة هستيريا، أدت به إلى إعلان عصيان بعدم قبول الخروج من الضيعات إلى الأسواق.
أعترف الخروف بأن من يقوده إلى الأسواق ليس ذلك البشر الذي سهر عليه منذ أن كان حملا، وقبل أن يصبح خروفا. قال أن من ذهب به إلى السوق تفوح منه عطور جميلة تشبه تلك التي اشتمها، بعض منهم، خلال زيارة بعض البياطرة. وقد وجب القول أن تجار الخرفان في الأسواق الكبرى ينتمون إلى فئات إجتماعية ومهنية تضم أبناء علية القوم وحتى كثير من ممارسي بعض المهن الحرة والطبية.
يقول الخروف أن الفئات الشعبية، وخصوصا ذوي الدخل المحدود، هم المسؤولين عن إدخاله إلى دائرة اقتصاد الريع والاحتكار.
لا أعرف من نقل إلى الخرفان ما دار في البرلمان، وحتى في كثير من وسائل الإعلام، عن عجز سخاء المال العام الذي استفاد منه بعض السياسيين الموالين للحكومة في اضعاف قدرة المغاربة على تحمل أسعار اللحوم. يعرف الجميع أن الدعم المباشر المقدم للكسابة الكبار تجاوز 13 مليار درهم، وبلغت الهدايا الجمركية والضريبية المتعلقة بهذه العملية ما بين 30 و50 مليار درهم. ولا أثر لهذه الأموال العامة إلا على زيادة ثروات المستفيدين من رخص الاستيراد. وسوف يظل اقتصاد الريع ذلك السد المنيع الذي يضعف مردودية كل الاستثمارات في بلادنا. وستظل أبواق مستغلي اقتصاد الريع تكذب على المواطنين.
وختاما أؤكد لوزير الفلاحة أنه لا يوجد خروف في بلادنا يتم شراؤه بألف درهم أو حتى ضعف هذا المبلغ.
خروف الحكومة يجتاح قانون السوق
ملايير المال العمومي تفشل في مواجهة غلاء اللحوم دون محاسبة







