في ظرف أقل من أربع سنوات، انتقل سعر كيلو اللحم بالمغرب من 60 درهمًا ليتجاوز عتبة 140 درهمًا، دون أن تنجح الحكومة في فرملة غلاء صار مثل موجة عملاقة تزحف على قفة المغاربة.
حدث ذلك رغم كل الملايير التي رُصدت على شكل دعم مباشر للمستوردين والفلاحين الكبار، أو الامتيازات التي قُدمت على شكل إعفاءات جمركية، قبل أن يخرج فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، بتصريح مقتضب أقر فيه بأن آلية الدعم فشلت في السيطرة على الأسعار…
السيناريو الذي عاشه المغاربة خلال عيد الأضحى قبل سنتين، وما يقع حاليًا في الأسواق، كان كافيًا للتأكيد على أن البلاد صارت تواجه أزمة ترفض الحكومة الاعتراف بها، لأن ذلك يعني إدانة مباشرة لرئيسها، باعتباره عراب المخطط الأخضر، الذي انتهى بتسمين أرصدة كبار الفلاحين وشركات المعدات على حساب الفلاحين الصغار، مع تهديد صريح لأمن المغاربة الغذائي.
اليوم، يتساءل المغاربة: أين هي الأضاحي التي قالت الحكومة إنها متوفرة بشكل كافٍ وبأسعار متنوعة؟ وأين هي اللحوم المجمدة والطازجة التي وعدت بها الحكومة، التي لجأت إلى هذا الحل بعد أن تبين أن استيراد الأبقار الجاهزة للذبح لم يُحد من غلاء اللحوم؟ ليتم اللجوء إلى تدابير ترقيعية أخرى قد تُعين على توفير اللحوم، لكنها لن توقف تفاقم الخصاص الكبير في هذه المادة، ناهيك عن آثاره المدمرة على تنافسية المنتوج المحلي، وما سينجم عنه من انهيار لسلسلة إنتاج اللحوم الحمراء والحليب.
وضع يفرض طرح السؤال عن مصير ميزانيات عمومية ضخمة تم هدرها طيلة العقدين المنصرمين في إطار شراكات وبرامج لتأهيل وتحسين المراعي، استفاد من ريعها بشكل خاص كبار الملاكين ومقاولو التجهيز الفلاحي والوسطاء المضاربون، في وقت تعرض فيه القطيع الوطني “للإبادة” طيلة السنوات الخمس الأخيرة على مرأى ومسمع الجميع.
حدث هذا بعد أن أدارت الحكومة ظهرها للمطالب التي دعت إلى توفير دعم دائم، كافٍ ومباشر لصغار الفلاحين والكسابة، والتعجيل بدعم الأعلاف واستخلاف القطيع لضمان استمرارهم في تزويد السوق الوطنية بالمنتوجات الزراعية واللحوم، وتقوية قدراتهم على مواصلة هذا الدور، حماية للسيادة الغذائية للمغرب أمام تقلبات العرض على المستوى العالمي، وتحول الغذاء إلى سلاح توظفه القوى الكبرى لابتزاز الشعوب.
هذه المطالب ترجمتها الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي، التي شددت في وقت سابق على أن الارتفاع المهول لأسعار اللحوم والحليب ليس أمرًا معزولًا ولا طارئًا، بل هو مظهر من مظاهر أزمة اختيارات فلاحية راهنت بشكل غير عقلاني على السوق الخارجية.
كما أشارت إلى أن الأزمة أصابت سلاسل إنتاج فلاحية أخرى، وأدت إلى ارتفاع أسعار جميع المنتجات الفلاحية، دون أن يكون لذلك أثر إيجابي على دخل الفلاحين الكادحين. كما أن غلاء اللحوم كان متوقعًا بسبب ما تعرض له القطيع الوطني من تصفية، حيث فقد ثلثي (2/3) تعداده خلال الخمس سنوات الأخيرة، في غياب تدخل فعال من وزارة الفلاحة، وأمام ضعف “حملات الدعم” الهزيلة التي تم توجيهها للفلاحين الكادحين، والتي لم تخلُ هي الأخرى من التلاعبات.







